ذكرى عبدالصاحب تبث الجمال عبر منظومة الماكياج المسرحي

قلم: عدنان الفضلي

ضمن اشتغالاتها المتنوعة تواصل المؤلفة وفنانة الماكياج ذكرى عبدالصاحب بث خطابها العلمي والأكاديمي في مجال عملها، فقد صدر مؤخراً عن مطبعة الخيال كتابها الجديد المعنون "منظومة الماكياج وعملها في تجسيد الشخصيات المسرحية - مسرح الطفل انموذجاً" والذي قدمت من خلاله بحثاً مستفيضاً في فن الماكياج، وخصوصاً في مجال مسرح الطفل، وجاء في متن البحث الكثير من العروض المنهجية والتطبيقات العملية على العديد من الأعمال المسرحية الخاصة بالطفل، كما تضمن الكتاب استعراضاً للأسس العلمية التي يبنى عليها فن الماكياج.

وفي مطلع الكتاب كتب الناشر مقدمة جاء فيها "ينطوي البحث في منظومة الماكياج بما تمثله من أهمية رئيسة في بنية أي عرض وبخاصة في المسرح على مغامرة لا تخلو من خطورة مع ما تقتضيه من بذل جهد ينطوي البحث في منظومة الماكياج بما تمثله من أهمية رئيسة في بنية أي عرض فني مضاعف للإحاطة بظاهرة مزدوجة الحضور على المستويين: النظري والعملي أي في المنطلقات التي تؤطر عمل الماكياج وتحدد وظيفته الرئيسة في العمل المسرحي من جهة وطبيعة التشكيل الذي يتوافق وحدود الشخصية ودورها في العرض من جهة أخرى انطلاقاً من الإحاطة بهوية هذه الشخصية وتجسيد تلك الهوية عملياً وتكييف بعدها البصري وأثرها في العمل المسرحي".

ثم ابتدأت المؤلفة كتابها بمقدمة عرّفت من خلالها بفن الماكياج حيث قالت "يعد فن الماكياج من الفنون الأساسية المكملة للعروض المسرحية لما يؤديه من دور فعال في إعطاء الممثل أبعادا تتفاعل مع أبعاد الشخصية المسرحية والتعبير عن مكنوناتها الداخلية الفاعلة والعاملة على تحقيق الشكل الخارجي للشخصية من خلال وجه الممثل وجسده واقناع المتلقي وخاصة إذا كانت الشخصية هي إحدى شخصيات مسرح الطفل لأن عملية إقناع الطفل بالشخصية المقدمة على المسرح هي بالتأكيد أصعب من إقناع الكبير، وهنا تكتسب هذه المنظومة أهمية مضاعفة بحكم الصفات السيكولوجية للطفل وطبيعة قدراته الذهبية والعوامل التي تحرك سلوكه، ونظراً لتلك الأهمية فإن للماكياج منظومة عمل متشعبة ومتداخلة مع باقي فنون السينوغرافيا المعروفة، ومع هذا الدور الحيوي للماكياج في الفعل المسرحي إلا انه ظل فقيرا في مجال الإثراء النظري والتأليف المبني على أسس علمية ومنهجية في بلدنا على الرغم من قدم الحركة المسرحية فيه، ولذلك فإن الهدف من تأليف هذا الكتاب والذي هو بالأصل دراسة أكاديمية خصصت للتقييم والتقويم والمناقشة والتحكيم العلمي الدقيق – هو سد الفراغ النظري في مجال خطير من مجالات المسرح بالأخص مسرح الطفل".

وفي مبحثها الأول تناولت المؤلفة مفهوم الماكياج عبر محورين علميين وضحت من خلالهما الكثير من النظريات العلمية الخاصة بهذا الفن، وقد نجحت الفنانة في طرح رؤى تنظيرية مكتملة، واعتمدت على مصادر ذات بعد فلسفي جمالي تجعل من الطرح سلساً وغير ممل، ففي محورها الاول الذي عنونته بـ "التشخيص"، وتحدثت بالقول "فن الماكياج عمل مكرس لانتاج المعنى الدلالي بالاعتماد على مبدأ قديم هو مبدأ (التشخيص) حتى تطورت غائية الماكياج وتعدت حدود الشكل لتخترق المحتوى النفسي ودلالاته واستطاع الماكياج التعمق اكثر في اظهار درامية موقف الانسام والذي كان مضمراً في طيات حياته منذ الازل واخذ طابعاً تزيينياً لا يمكن الاستغناء عنه حتى يومنا هذا بالاخص في المجتمعات المتحضرة، اضافة الى غائيته في المسرح قد استخدمه الرجال على حد سواء مع النسوة اللاتي استخدمنه رمزاً للجمال بألوانه الجذابة وتفنن في وضعه وتشكيله على البشرة والوجه وفي كل بقعة من أجزاء الجسم حيث الماكياج التجميلي أو التصحيحي ضروري جدا في السينما والتلفاز تزداد أهميته كلما تطورت تقنية الكاميرا والإضاءة.

وكان لنشأة التلفزيون ونهوض الانتاج السينمائي اثر بالغ في تقدم وتحسين الوسائل التي يستعملها اختصاصيو الماكياج في محيط عالم التسلية وكل نهوض عمليات الالوان (...) عاملا اضافيا لخلق مظهر طبيعي في صبغ الوجه وتغيير معالمها يمكنه خداع العين الفاحصة الناقدة لالات التصوير وإذا صاحب الماكياج اضاءة صحيحة كان عاملا في التعاون التام اللازم لنجاح الاخراج الحديث.

بينما قالت في محورها الثاني الذي جاء تحت عنوان "منظومة الماكياج والشخصية المسرحية": "تشكل منظومة الماكياج وحدة عمل متكاملة من ناحية الالية (آلية الاشتغال) ومواد التشكيل وادواته سواء في السينما او المسرح او التلفاز وتتألف منظومة الماكياج من عناصر هي المواد والادوات: فالادوات هي الطلاءات والمساحيق والغراءات ومواد كيميائية مختلفة في القوام والتكوين واللون وانواع الشعر والصوف والخيوط لعمل اشكال الشعر وصناعة اللحى والشوارب والباروكات اما الادوات فهي كل مايساعد في وضع هذه المواد وتشكيلها على وجه وجسم الممثل الذي يجسد شخصية معينة في مسرحية ما او عمل تلفزيوني او سينمائي والتي تحتويها حقيبة الماكياج كالفراجين والمقصات وادوات القطع وادوات الصب والمبارد".

وتسترسل المؤلفة في حديثها لتؤكد "كما يعتبر الاختصاصي في فن الماكياج هو الاداة الاهم في هذه المنظومة باعتباره جزءا لا يتجزأ منها وهذا ينطبق على الشخصية المجسدة اذ تعتبر جزءا مهما من هذه المنظومة ايضا وتدخل في عمل منظومة الماكياج وفي تجسيد الشخصية المراد العمل عليها عناصر اخرى مهمة هي: الوراثة، الجنس، البيئة، المزاج، الصحة والعمر والذي يتحدد بثلاثة مراحل هي: الشباب، متوسط العمر، الشيخوخة.

ذكرى عبدالصاحب وعبر مبحثها الثاني انطلقت الى فضاءات اوسع من المعرفة، فقد لصقت لنا على ورق كتاباتها منهج علمي منفتح يعرّف اكثر بهذا الفن الذي يحتاج العامل في وسطه الى دراية وامكانيات فنية وثقافية وجمالية واسعة فهي وعبر سرد تاريخي للتطور الحاصل فهي تقول: "لم يدرك الانسان البدائي الاول (انسان ما قبل التاريخ) ومنذ بداية تكوينه ماهية الماكياج رغم انه نشأ بنشوء ذلك المخلوق البشري ثم اصبح مكملا لحاجاته اليومية وفي اول ظهور للانسان على وجه الارض استعمل اوراق الاشجار للتستر بها والاغتسال كورق (السدر) او الاضطباغ كورق (الحناء) اذ ان الانسان البدائي الاول الذي كان يعيش في البراري والكهوف والمغارات كان يطارد الحيوانات ويصارعها للسيطرة عليها وتذليلها لمعيشته وقد لبس جلودها (متنكرا) وقلد اشكالها (متقمصا) لكي يستدرجها حتى يتمكن منها وقد اتخذ طريقا اكثر فاعلية وسهولة لغرض مخادعة الحيوان واستدراجه، ومن ثم السيطرة عليه واصطياده عن طريق المحاكاة وممارسة طقوس سحرية بدائية بالتنكر والاختفاء بهيئات مختلفة هذا التذكر جاء للتعبير عن الانفعالات النفسية والعاطفية والمعتقدات الدينية وطقوس السحر لاشباع حاجته اليومية من الطعام وغيرها فقد ارتبطت مفاهيم حياة الانسان الاولي غرائزه بالمفاهيم الروحانية والطقوسية.

إن الاصل الديني القوي للمسرح عامل له من الاهمية في المسرح اكثر مما هو مفهوم بصورة عامة من هنا جاءت فكرة المسرحة (ما يسمى بالغريزة التمثيلية) فمن خلال ميل الانسان البدائي بغريزته للتمسرح والتظاهر في كافة تعاملاته مع الطبيعة ومع اخيه الانسان بل مع كل الكائنات من حوله عندما كان يأتي لعشيرته آخر النهار ليحكي مشخصا لهم كيف قام باصطياد فريسته مستخدما عناصر جسده التعبيرية من ايماءات واشارات وحركات دالة تحمل معاني ما يسرد اذ انه ارتكز على دافع نفسي داخلي في تفسيره للظروف البيئية المحيطة به".

ثم تتحدث المؤلفة عن الحضارات الشرقية وخصوصاً (الهند، الصين، اليابان) وتقول في هذا الصدد: "أثرت وتأثرت تلك الحضارات بما يجاورها من الحضارات وكانت لهم تقاليدهم وشعائرهم وتعددت تلك الشعائر واختلفت نظرا لتعدد الديانات والعبادات لديهم وكانت طبيعة هذه الاحتفالات عبارة عن حركات راقصة تحمل رموزا واشارات يصحبها الغناء تمثل قالبا هو احد الاشكال الخاصة بالشعوب الآسيوية هذه الحركات والاشارات الاجتماعية تحولت انفا الى المسرح الشرقي التعبيري الذي تميز بالايقاع والتناغم وقد ظلت المسرحية الشرقية مجهولة تماما بالنسبة للمسرح الغربي حتى الجزء الاول من القرن التاسع عشر والتي اتخذت من جسد الانسان محورا رئيسا في التقاليد المسرحية.

وكانت ميزة الراقص هو تلوين الاطراف بزخارف ومنها الاصابع بالخضاب او بالرسوم الخاصة وتلوين الوجه ورسمه بطرق تتناسب مع تلك الحركات و الايماءات مع لبس الزي الخاص والمكملات فالميزة التي تمتاز بها مسارح الشرق هي عبارة عن تقاليد تراعي كل ما يتصل بالتمثيل الملابس والماكياج والحركات تجري كلها في نظام معلوم.

وقد افاضت المؤلفة في طرح رؤاها عن تلك الحضارات كل على حدة ، وطرحت عبر منظومة وعي متكاملة العديد من الاشكاليات ، فضلاً عن استعراضها للاساطير ومدى علاقتها بهذا الفن من حيث التأثير والتأثر.

وحتى يكتمل الطرح اخذت المؤلفة عيناتها من خمسة اعمال مسرحية عراقية خاصة بمسرح الطفل، حيث اشتغلت على تلك الاعمال عبر تطبيقات مليئة بالتمعن البصري والتأملي، وتلك الاعمال هي مسرحية " طائر بلون الفضة" تاليف حسن موسى واخراج سعدون العبيدي ومسرحية "انا بلبل" تاليف واخراج ناجد جباري ومسرحية "اصدقاء الشمس" تاليف جاسم محمد صالح واخراج عبد الكريم سلمان و مسرحية "زينب والنمل" تأليف طه سالم واخراج عبد علي كعيد ومسرحية " فيتامينات(O) ونزال التحدي" تاليف واخراج حسين علي هارف.

وقدمت المؤلفة في فصلها الاخير نتائج بحثها العامة والتوصيات الخاصة بالبحث، فضلا عن عدد من الملاحق التي لها علاقة بالبحث اضافة الى الصور التعريفية الخاصة بفن المكياج، ليكتمل المؤلف ويصير بين ايدينا كتابا مهما في الفن المسرحي يغني المكتبة العراقية أنتجته الذائقة الفنية للفنانة الكبيرة ذكرى عبدالصاحب.