ذرائع جديدة لعودة القوات الاميركية الى العراق

يصر بعض المسؤولين الاميركيين على ان الحرب مع داعش ستطول وتستخدمها كذريعة للعودة الى العراق. هناك في ادبيات الاستشراق نوعان من الاحتلالات لما دأب المستشرقون على تسميتها الشعوب الهمجية او البربرية التي لا ينفع معها سوى نوعين من الهيمنة لاعادتها الى الحضيرة الانسانية او المجتمع الانساني المتحضر: احتلال بلدان تلك الشعوب الهمجية مباشرة، او السيطرة عليها من خلال الاستحواذ على ثرواتها الطبيعية وتسييرها لصالح الدول المستعمرة بغرض ترويضها واعادتها الى الانسانية وتخليصها من طور الهمجية والتخلف.

نحن نرى يوميا ممارسات تلك الجماعات الهمجية فعلا، ولكن تلك الممارسات ليست ثقافة تعتنقها تلك الشعوب ولكنها تختص بتنظيمات دينية متطرفة تريد بسط نفوذها في المجتمع من خلال العنف والعمليات المتوحشة التي تطال المخالفين لتلك التنظيمات اي ممارسة القوة والعنف في بسط نفوذها، وهذه نفسها استخدمت من قبل الدول الاستعمارية للسيطرة على شعوب وثروات دول اقل تطورا او متخلفة من قبل دول الغرب الاستعماري. بل انها عملت على ابادة مجتمعات اميركا الشمالية لتحل محلها الاعراق الغربية المتحضرة. او ما تعرف اليوم باميركا او الولايات المتحدة. ونفس الشيء يمكن ان يقال عن القارة الاسترالية وغيرها من البلدان المستعمرة بالقوة بوسائل التوحش نفسها.

وتكاد تشترك تلك التصريحات الاميركية باصرارها على ان مكافحة داعش تستغرق سنوات طويلة دون ان توضح اسباب ذلك فهل هي مثلا تمتلك اسلحة غاية في التطور تصعب مهمة القضاء عليها او الحد من خطرها، ومن اين حصلت على تلك الاسلحة؟ لان التأكيد له جانبان حربي او عسكري وثقافي. ولكن الاغلب ان تلك التصريحات تقصد الجانب العسكري او الحربي لتلك الجماعات المتطرفة. فهل يعقل ان تمتلك هذه الجماعات المتوحشة كل هذه القوة بحيث تعجز الدول المتحضرة في القضاء عليها او الحد من انتشارها. واذا كانت مسألة القضاء عليها عسكريا يتطلب بعض الوقت لا نعتقد بانه سيمتد لسنوات كما تدعي تلك التصريحات لانها محاصرة وسط بيئة ترفضها ولكنها قبلت بالامر الواقع خوفا او توقيا من عقوباتها القاسية ووحشية اساليبها بالانتقام من السكان المحليين، والعشائر العربية في غرب وشمال العراق اختبرت تلك الاساليب الوحشية وعانت منها ولكنها غير قادرة على قتالها منفردة او وقف زحفها نحو المدن والقرى في شمال وغرب العراق.

لذلك من غير الممكن استخدام هذه الورقة لعودة القوات الاميركية للعراق. وتعويضها باجراءات تساعد الحكومة العراقية وسكان المناطق الغربية والشمالية على كسر تلك التنظيمات ووقف زحفها نحو الحواضر السكانية عن طريق تسليحها تسليحا جيدا وتدريب قوات الجيش وتسليحه تسليحا قادرا على مواجهة ما تمتلكه التنظيمات الارهابية من سلاح متطور ووقف وسائل تمويله التي لا بد ان تكون قوات التحالف على اطلاع كاف على مصادره ومن ثمة مواجهته اعلاميا نتيجة لتمكنه من استخدام وسائل الاتصالات الحديثة بمهارات عالية ومتفوقة احيانا.

اما الجانب الثقافي فانه لا يقل اهمية وشأنا عن الجانب العسكري لان هذه التنظيمات تستعمل منظومة من القيم الثقافية والدينية من حديها الفاشي والتخريبي المتوحش الذي لا يؤمن بغير القوة كسبيل وحيد لاقامة دولة الخلافة الاسلامية. ومعالجة الجانب الثقافي لهذه التنظيمات يمكن ان يستمر على مدى سنوات طويلة على خلاف الجانب العسكري الذي يجب ان يحسم بحزم وقوة وباقل ما يمكن من الوقت تجنبا لانتشاره وتجذره في المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيمات المتطرفة، حيث يعاني سكان تلك المناطق من ظروف معيشية صعبة ومن فقدان الامن ومن البطالة وغياب الخدمات والتوعية للشباب من السكان فتشكل جميعها مادة اساسية للاستقطاب وانضمام الشباب لتلك التنظيمات المتوحشة واخذ مكانها في ممارسة القوة والتوحش ازاء المخالفين لها من التجمعات الحضرية والسكانية في تلك المناطق.

فاذا كانت تصريحات المسؤوليين الاميركيين تقصد مكافح الجانب الثقافي لداعش والتنظيمات الاسلامية المتطرفة وتفنيدها باعتبارها ثقافة خارج العصر لا تصلح لعصرنا، فان ذلك بالتأكيد يستغرق وقتا طويلا لمكافحته، يعتمد على مدى تشجيع التعليم وتوفير المدارس العصرية والمعاهد والجامعات والعمل على ثقافة منفتحة على الاخر المختلف، وتوفير حياة عصرية للسكان تشكل مصدا للتطرف الديني والتوحش واعمال الانتقام والقتل المجاني،الذي تمارسه "دولة الخلافة الاسلامية" او دولة البغدادي باساليبها الانتقامية وفلسفتها المتوحشة والعنفية.

اما من الناحية العسكرية فان دحر داعش والمنظمات الدينية المتطرفة عسكريا لا يستوجب عودة القوات الاميركية الى العراق كما تبين تصريحات المسؤوليين الاميركيين، ولكنها بغرض التمهيد لاقامة طويلة الامد لمتطلبات مكافحة داعش والتنظيمات الدينية المتطرفة عسكريا،التي قد تمتد لسنوات طويلة بالاستناد الى تلك التصريحات، ويمكن اعتبارها تمهيدا لعودة القوات الاميركية باختراع مصادر تهديد جديدة مستقبلا من اجل البقاء في العراق كاحد مصادر تصدير التوحش المهدد لسلامة واستقرار الدول المتحضرة.

وهو ما يلزم التفريق بين العراق كدولة مهددة من قبل التنظيمات الدينية المتطرفة وممارساتها الوحشية وربما تكون مجبرة على استضافة تلك القوات درءا لخطر تلك التنظيمات الهمجية ـ اذا وافق العراق على قدوم القوات الاميركية باعداد كبيرة الى العراق. وهذه الحالة تعتبر وسطية حسب المفهوم الاستشراقي بين الاحتلال المباشر للتجمعات السكانية المتوحشة والهمجية درءا لخطرها والهيمنة الاقتصادية غير المباشرة على الثروات الطبيعية للبلد المعني.

ولكن مسألة قدوم قوات اميركية الى العراق باعداد كبيرة ليست سهلة، وتتطلب موافقة الحكومة العراقية، ومكلفة ماليا يتحمل العراق جزءا كبيرا من نفقاتها، اضافة الى انها تعيد ذكريات الاحتلال الذي لا يتمتع بتأييد يذكر في العراق والمنطقة.