ذاكرة حبر لا يجف على الاصابع

بقلم: زيد الحلي
سعد قاسم حمودي وزيد الحلي في القاهرة

كانت أعذب وأحلى أوقاته في بواكير شبابه، زيارة مبنى جريدة والده "الحرية" والتجول بين مكائن الطباعة التي تطبع فيها.. وقد حدثني الصحفي العراقي الرائد المرحوم إبراهيم علي، وهو أقدم محرري جريده "الحرية" العتيدة التي اتخذت مقرا لها ولمطبعتها في رواق منزوٍ في منطقة العاقولية ببغداد، وتحديدا بالقرب من ساحة الرصافي، إن (سعد) الابن الثاني للمحامي قاسم حمودي، رئيس تحرير جريده "الحرية" البغدادية الشهيرة بتوجهاتها القومية، كثيرا ما كان يتنقل بين (بنود) الورق و"دكة" ترتيب الحروف وما بين مكائن "اللاينوتايب" حيث انصهار الرصاص المؤذي وبين كليشهات الصور المغطاة بالأتربة فرحاً، وقد لوث سخمان الرصاص ملابسه الأنيقة وغالية الثمن!
أليس هو النجل المدلل لرجل نال شهادة الحقوق في ثلاثينيات القرن المنصرم في وقتٍ كان الذي يحمل فيه الشهادة الابتدائية من المحظوظين؟ وأيضا نجل الرجل الذي ترك مغريات المحاماة، واتجه صوب العمل الوطني، الصحفي، فأصبح احد الرموز الكبار.
وكانت جريدته تسبح ضد تيارات الشعوبية، إذا أن هذا الفتى عاش زهوَ الصحافة فرضع من حليبها وعايش رجالات الكلمة في الزمن الصعب، وسايرَ وجايل تيارات وتقلبات السياسة في كافه المراحل.
وزاد عمر "سعد " وزاد معه حبه الأثير وعشقه للصحافة، وتشبعت خياشيمه "بعطر" رصاص المطابع، وأخذت حاسته تميز بين هذا النوع من الحروف الذي يوشم الصفحة الأولى في جريدتهم وبين الحروف التي تظهر في الصفحات الأخرى.. وبين العنوان الجاذب للقارئ والعنوان الطارد له!
وبدأت عيونه وعقليته تفرز المقالة المقرؤة والخبر المثير عن المواد الصحفية الأخرى التي هدفها سد الفراغ.
وتظهر لسعد قاسم حمودي أول مقالة بسيطة في عام 1955، والغريب إن أستاذنا "فيصل حسون" أطال الله في عمره، وكان سكرتيرا لتحرير"الحرية" دفع بتلك المقالة إلى صحيفة أخرى، فنشرتها، حتى لايقال إنه أستغل صحيفة والده فنشر فيها!
لقد أحب، العزيز سعد قاسم حمودي، طيب الله ثراه، الصحافة بشكل عجيـب، وعاش أحداثا صحفية جسام، وهو لم يزل في ريعان الشباب، وقد حدثني مرة، انه كان بعمرالفتوة عندما شاهد رجال الأمن يطوقون جريدتهم ويقومون بإغلاقها ويقتادون والده رئيس التحرير، فاندفع اليه ماسكا بيديه، لكن الوالد الكريم ربت على كتفيه مبتسما قائلاَ له:- "اذهب مع أخيك جعفر إلى البيت وسأعود لاحقا".
واستمرت هذا الـ "لاحقاَ" ثلاثة أسابيع، وهي مدة إيقاف الجريدة وتوقيف والده لأنه نشر موضوعات لاتتناسب مع توجهات الحكومة آنذاك!
على صعيد مهني شخصي، عشت مع مع ابي "محمد" ضمن مراحل عديدة تعود بذرة تلك المراحل إلى عام 1965 حين لمحته زائراً لجريده "العرب" للمرحوم الحاج نعمان العاني، حيث كنت اعمل في بداية عملي المهني، وأظنه كان على موعد مع السيد "جلال" نجل مدير تحرير الجريدة أستاذنا الألمعي المرحوم "شـــاكر علي التكريتي" وقد تكررت زياراته القصيرة، لكن الفرصة لم تسنح لي سوى لتبادل سلام قصير معه.
وعندما أعيد إصدار جريده "الحرية" في شهر أيلول/سبتمبر عام 1968 بعد توقفها الطويل، عملت محرراً فيها إلى جانب زملاء كبار في مهنيتهم وفي أخلاقياتهم مثل إبراهيم علي ومعلمي الرائع سجاد الغازي، هادي الساعاتي، إبراهيم إسماعيل، صبيح الغافقي، لطفي الخياط، حسين علي الراشد... وقبل ذلك التاريخ بأسابيع كان الأستاذ سعد قاسم حمودي تسنّم رئاسة تحرير جريدة "الجمهورية" منجم الكفاءات المهنية، لكنه كان يأتي لجريدة "الحرية" مع الاستاذ سجاد الغازي مساء كل يوم للالتقاء بوالده الكبير خلقاً وإنسانية، مطلعاً على موضوعات الجريدة "دون علم والده" وكان حريصاً على رسم خريطة مفترضة للصفحة الأولى وتسليمها لمداور الصحيفة "المصمم بلغة اليوم".
كان رحمه لله شغوفاً بالخط والتصميم الصحفي.
ثم توالت المراحل، ففي عام 1969 تم الاحتفال لأول مرة بعيد الصحافة "15 حزيران/يونيو" فضمني إلى المساهمين في التهيئة لهذا الاحتفال، وهنا أذكر حادثة طريفة وهي أن الأستاذ سعد، وكان في غمرة سعادته وألقه استقبل في هذا الاحتفال أقدم صحفية عراقية هي الزميلة "مريم نرمه" رحمها الله وبعد الحديث المتقطع للزميلة أمام الحضور الكثيف وأمام مشاهدي التلفزيون، وكان بث الحفل يجري حياً من على مسرح قاعة الخلد، أعتذر بصفته نقيباً للصحفيين نيابة عن الزميلة عندما زلّ لسانها بفعل عامل العمر قائلة "نشكر الرئيس المفدى أحمد حسن البكر" وقد ضحكنا يومها لصفة "المفدى" لأنها كانت الصفات التي تطلق على الملوك... ويبدو ان الرائدة الثمانينية لم تجدد قاموسها، فقد كان العقل الباطن للزميلة المذكورة، يرشدها إلى إنها لا تزال تعيش في العهد الملكي!
وقد توطدت أواصر ألفة العمل المهني مع الأستاذ سعد، حيث زاملته كعضو ٍ في مجلس نقابة الصحفيين العراقيين فيما كان هو نقيباً، وتسنى لي السفر معه إلى أكثر من مؤتمر عربي وعالمي، كانت مهنيته اكبر من كل مواقعه الرسمية فانتخب رئيساً لإتحاد الصحفيين العرب، وفق تلك الرؤية وعندما أصبح وزيراً للإعلام أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان يقضي جلّ وقته المسائي في أروقة جريدة "الجمهورية" تاركاً جاذبية كرسي الوزير، كان كما ذكرتُ يفضل الصحافة على كل المواقع وهذا ما لمسته شخصياً.
وفي تداعيات صدى السنين، أشير إلى أن "ابو محمد" كان يميل إلى فعل الخير، عفيف اليد واللسان، ولو كان يستمع إلى الوشاة والمنافقين وما أكثرهم، لانتهى حال الكثيرين وأصابهم من وحشة الغدر ما اصابهم..!
لقد كنت ألاحظ في أثناء الجلسات والدعوات، أن هناك من المحيطين به وخصوصا من هم في وسطنا الصحفي والإعلامي سيما "ذوي الشأن " آنذاك ممن وضعتهم الظروف على شجرة الأعلام العراقي المعروف بتاريخه وموافقه المشرفة، كانوا يغمزونُ من قناته، أو يثرثرون بكلمات هازلة وبأصواتٍ هامسة، فتصورت انه لايدرك ذلك، لكن ظني خاب، فقد كان يعرف كل شيء، غير إنه كان يتّرفع عن إشعارهم بأنه يعرف مايهدفون اليه، وقد حذرني مرارا من أمثال هؤلاء الذين يضحكون على لا شيء وعلى كل شيء، ومن الذين يقولون فيك ما ليس فيك!
أن المرحوم سعد، تعرض لحسد الحاسدين واكتوى بنار النفاق لكنه بقى طوداً قوياً، لامعاً.
وللتاريخ أقول، انه دائما ما كان يحدثني بودٍ وثقةٍ بأن بعض ممن يكتبون في الصحف "وكان يسميهم" يتصورون إنهم منظرو العصر وجهابذة المرحلة ومؤرخون للحقبة، وشاهدون أوحدون على التاريخ.
وكان يحذر من طفح هؤلاء على سطح الصحافة غير انه كما يبدو لايقوى على صد تلك الموجة التي أبعدت الناس عن قراءة الصحف، لأنها مليئة بالطلاسم واللاواقعية، وظل مقتنعا ًحتى نهاية مشوار حياته، أن الإطالة في الكتابة دليل على سقم النتائج، ويشير الى هؤلاء بالقول "أن القوي من الشجر هو الذي لا يعجّل بالثمر، والكاتب في الصحافه عليه الابتعاد عن الترهل، فهو دائما بحاجة إلى إبرة دقيقة جدا لحياكة أفكاره".
لقد تشّبع سعد قاسم حمودي، بحب الصحافة بشكل مذهل، ولمست أن بينه وبين الصحافه شاطئ من المحبه الصادقة، انه مهوسا بالابتكار والأسئلة وقليل من كان يعرف هذه الحقيقة، لقد كرهه الكثيرون ممن لايعرفونه وأحبه الكثيرون ممن عرفوه.
رحم الله سعد قاسم حمودي، الذي غادر الدنيا في دمشق في نيسان/ابريل عام 2007 وسط حسرة محبيه وعيونه كانت ترنو نحو اثنين لا ثالث لهما وطنه العراق الجريح والصحافة التي أحب.

زيد الحلي: صحفي عراقي مقيم في دمشق
Zaidalhilly@yahoo.com