د. مصطفى سويف في كتابه«نحن والمستقبل»

مراجعة: أحمد فضل شبلول
المستقبل يبدأ من الان

في حديث سابق عن كتاب " نحن والغرب " للدكتور شكري عياد ذهبتُ إلى أن الناقد الأدبي الحصيف والمثقف كلما اتسعت رؤيته الثقافية وتعمقت نظرته الاجتماعية والنفسية وغاصت تأملاته الفلسفية في عمق المجتمع المحلي والعربي والعالمي يجد أن النص الأدبي يصبح ضيقاً عليه، وأن هناك أموراً وقضايا مصيرية إسلامية وعربية وعالمية أكثر خطورة من نص أدبي يعالج فيه أديب ما قضية مهما كانت أهميتها فإنها تظل أكثر محدودية مما يموج به عالمنا المعاصر من تيارات فكرية واتجاهات إلحادية وقضايا كونية في غاية الخطورة على المصير الإنساني بعامه.
ولقد عرفنا الدكتور مصطفى سويف أول ما عرفناه من خلال كتابه المهم عن "الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة" وهو عبارة عن رسالة الدكتوراه التي حصل عليها عام 1954م. النضوج والتوهج: ولم يكتف د. سويف بالدكتوراه وإنما امتدت أبحاثه وتأملاته في علم النفس والأدب والاجتماع والفلسفة وأخذت في النضوج والتوهج، وهو يشعر بذلك فيقول: "شعرت حينئذ بأن السنوات التي قضيتها في إعداد هذه الرسالة (ويقصد رسالة الدكتوراه) قد أنضجتني بصورة لم أعهدها من قبل، أنضجتني في العلم وفي الحياة ". المقومات الأساسية للسيرة الذاتية: إن هذا النضوج والتوهج حرك صاحبه كي يكتب فصلاً من سيرته الذاتية في كتابه "نحن والمستقبل" الصادر عن سلسلة كتاب الهلال بالقاهرة العدد (523) والذي وقع في أكثر من 300 صفحة من القطع الصغير، وهو في حديثه عن السيرة الذاتية ـ بعامة ـ يضع المقومات الأساسية لتلك السيرة فيقدم تعريفاً لها، ويتحدث عن مكوناتها حيث يوجد أربعة عناصر تنطوي عليها السيرة الذاتية وهى: الذكريات العارية والذكريات التأويلية والذكريات المشتعلة أو المتوهجة وأخيراً الأنوار الكاشفة. ثم يتحدث بعد ذلك عن قواعد المعمار والبناء في السيرة الذاتية متوقفاً عند البناء والوظيفة والدلالة الاجتماعية للأحداث الشخصية والدلالة الشخصية للأحداث الاجتماعية، ثم يتحدث بعد ذلك عن القيمة العامة التي تنطوي عليها السيرة الذاتية، والتي تتمثل فيما يمكن أن تقوم به من مهام في الحياة الاجتماعية، وأن أخطر هذه المهام شأناً هي: المهمة التربوية والمهمة التأريخية الاجتماعية ومهمة التأريخ لتطور العلوم والفنون، ثم مهمة الكشف عن جذور الإبداع في العلوم والآداب وسائر المناشط الكبرى في الحياة. وإلى جانب القيمة العامة التي تنطوي عليها السيرة الذاتية، يوجد مهمة استشارة بعض الخبرات الجماعية شأنها في ذلك شأن كثير من قوالب الكتابة الأدبية. المخاض الاجتماعي: أما في حديثه عن سيرته الذاتية فيخبرنا د. سويف أنه جمع قصصه وأشعاره وأحرقها، ثم يرتد بعد ذلك إلى مرحلة الصبا ومرحلة اتساع الأفق ثم مرحلة الدراسة الجامعية والتخصص في علم النفس، ومن خلال هذا يحدثنا عن المخاض الاجتماعي الذي كانت تموج به مصر في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، ثم ما حدث في الستينات والهزيمة العسكرية وما بعد الهزيمة، مختنماً هذا الفصل من سيرته الذاتية بحديث عن أمور الفكر والعمل التي تشابكت بعد ذلك في حياته حيث قبل الدعوة للمشاركة في إنشاء أكاديمية الفنون وتقنين العمل بها، ثم قبول دعوة هيئة الصحة العالمية للاشتراك في لجنة الخبراء الدائمين لبحوث تعاطي المخدرات في الوقت الذي قام فيه بإنشاء قسم مستقل لعلم النفس في جامعة القاهرة. وفى النهاية يتحدث عن تجربته في رئاسة لجنة المستشارين العلميين للمجلس القومي لمكافحة وعلاج الإدمان. النظر إلى المستقبل: إن ما يجذب الانتباه في هذا الكتاب هو أن مؤلفه جعل من سيرته الذاتية جزءاً لا يتجزأ من نظرته إلى المستقبل، وكأنه يتأمل ماضيه ليقف على حاضره منطلقاً إلى مستقبله. والمستقبل هنا يتعلق بالعلم والتعليم والعمل والثقافة العلمية وقضايا التخلف الاجتماعي ومستقبل مصر من خلال شروط البنية الأساسية ودور النخبة والتقارب الثقافي.
وإذا كان الأدب والفن هو "أنا" و العلم والمستقبل هو "نحن"، فإن د. مصطفى سويف كان على حق حينما اختار عنوان كتابة " نحن والمستقبل " فالمستقبل ـ من خلال العلم ـ يعنينا جميعاً، أما الماضي وبخاصة من خلال السيرة الذاتية يُعني بـ "أنا " ولكن من خلال الوجود الجمعي أيضاً. وراء الجزئيات: ومما يذكر أن هذا الكتاب كان في الأصل عبارة عن سلسلة من المقالات نشرها المؤلف في مجلة " الهلال " ابتداء من أواخر عام 1989 "يجمعها إطار متكامل بحكم توجه متسق مع نفسه، وهو ما يكشف عن أن وراء الجزئيات مشروعاً أساسياً واحدا هو رصد خطوات مجتمعنا في تحركه من الحاضر نحو المستقبل وما يشوب بعض فقرات هذه الحركة أحياناً من أخطاء وعثرات وما يمكن الإسهام به من فكر اجتماعي في ترشيد الخطى وتحاشي احتمالات النكوص والاضطراب". من دواعي التمسك بالعصامية الأكاديمية: إن الحديث عن المستقبل ـ وبخاصة مستقبل الدول النامية ـ يبدأ بالبحث العلمي بدءاً من الأحلام ومروراً بالعصامية الأكاديمية التي من مستلزماتها الوحدة (الإيجابية) والعزلة ولكن دون الانعزال وذلك من أجل استثمار الوقت أفضل استثمار ممكن، والنأي بالنفس عما قد يفسد قصدها. إن من دواعي التمسك بالعصامية الأكاديمية الخواء المادي والمعنوي والتثبيط الإيجابي الساذج والتثبيط الإيجابي المفلسف والتثبيط الإيجابي المسيس والتشتت المتعمد. هل توجد في مصر مدارس علمية؟ وفي إجابة عن سؤال يواجَه به المؤلف كثيراً وهو: هل توجد في مصر مدارس علمية؟
يحاول المؤلف تقديم تعريف للمدارس العلمية التي يجب أن يكون لها أربعة أركان أساسية هي: الأستاذ كقيادة فكرية، والباحثون العاملون مع هذا الأستاذ وتحت قيادته، ثم مجال التخصص، وأخيراً أدوات الاتصال.
أما عن الأستاذ فله خمس مهام هي: الأستاذ معلماً، والأستاذ قدوة، والأستاذ ملجأ أو ملاذاً، والأستاذ صديقاً، والأستاذ مصدراً للفخر أو التفاخر.
وفى جزء آخر من الإجابة يتحدث المؤلف عن كيفية تكوين المدرسة العلمية، وعن البحث العلمي بين التنشيط والتعويض، مجيباً في النهاية إجابة صريحة عن السؤال المطروح بقوله إنه لا توجد لدينا مدارس علمية بالمعنى الدقيق لهذا الاسم لأن مكونات المناخ الاجتماعي السائد لا تسمح بذلك بل تعوقه، وأن ما ينقصنا الآن فعلاً هو الإصلاح الجذري (الإرادة والفعل) لكل ما ينتمي إلى المناخ العام. التعليم هو الخطوة الأولى نحو العلم: وعلى اعتبار أن التعليم هو الخطوة الأولى نحو العلم، وأن صغار اليوم هم كبار الغد، فقد قدم المؤلف دراسة علمية منهجية حول الغش في الامتحانات والزوغان من المدرسة، والإساءة في قاعات الدرس والتطاول على المدرسين وانحرافات الطلاب في معاهد التعليم وكيف نشأت هذه الانحرافات وشاعت، مقدما الحلول العاجلة والآجلة لإصلاح ما أفسده الدهر في التعليم. العمل صنو العلم : وعلى اعتبار أن العمل صنو العلم فقد قدم المؤلف مفهوماً علمياً للعمل والحياة الإنسانية، والعمل والحياة النفسية للفرد، فالعمل هو ركيزة البنية الأساسية للشخصية، وركيزة للصحة النفسية للفرد، كما أن العمل يتيح قدراً معيناً من ضبط الأداء والانضباط الذاتي، وينمي قدرات التعاون مع الغير وقدرات التخطيط للمستقبل، كما ينمى آليات تصحيح الفعل.
وعلى الطرف الآخر تحدث المؤلف عن البطالة وآثارها النفسية التي تتلخص في الإرهاق الناجم عن الشعور بالسأم والملل، والتقدم تدريجياً نحو تبلد الشعور وفقدان الأمل، والشعور بالهوان أو تضاؤل قيمة الشخص في نظر نفسه، وزحف المزيد من الشعور بالاكتئاب وتعمق مظاهر سوء الصحة النفسية بوجه عام مع زيادة مدة البطالة. الثقافة العلمية: إن الحديث عن العلم يجرنا بالضرورة إلى الحديث عن الثقافة العلمية أو ثقافة العلوم والتي يعرفها المؤلف بأنها مجموع المعارف التي يحصل عليها المواطن غير المتخصص في فرع علمي بعينه والتي تتناول أي فرع من فروع المعرفة العلمية المختلفة.
وفى هذا الصدد يتحدث المؤلف عن ضآلة الثقافة العلمية الشائعة والوزن النسبي الراهن لثقافتنا العلمية، وعن ثقافة العلوم في حجمها الأمثل، وثقافة العلوم في السباق الاجتماعي، كما تحدث عن مبررات الدعوة إلى مزيد من جرعة الثقافة العلمية وعن حاجتنا إلى العلم بالعلم كما أنه وضع تصوراً أولياً لتنظيم علاقتنا الثقافية بالعلم معتمدين في ذلك على المصادر البشرية أي على ثروة العقول. التخلف الاجتماعي من أشد أعداء العلم والمستقبل: وعلى اعتبار أن التخلف الاجتماعي يعد من أشد أعداء العلم والمستقبل فقد قدم المؤلف فصلاً عن هذا التخلف ومعناه، ومتى نتحدث عن قيام حالة تخلف اجتماعي وعن أبعاد هذا التخلف وكيف نشأ وتبلور، ولعل من أهم الأبعاد الرئيسية للتخلف الاجتماعي التي توصل إليها المؤلف: التمسك بالشكل على حساب الجوهر، والتبسيط المخل للأفكار والإهدار واختزال الحياة الإنسانية وهبوط قيمة الكيف وصعود قيمة الكم. شروط البنية الأساسية لمصر والمستقبل: وينهي المؤلف كتابة "نحن والمستقبل" بالحديث عن شروط في البنية الأساسية لمصر والمستقبل، بادئاً من محو الأمية والعناية بالتعليم وصيانة البيئة (بمعنييها الطبيعي والاجتماعي) متحدثاً عن دور النخبة والمهام الرئيسية التي في انتظارها والتي من أهمها: إطلاق طاقة التجديد والابتكار والتخاطب والتفاعل عبر الأسوار الاجتماعية والحضارية واللحاق بركب العلم والمشاركة الفعالة في مسيرته.
إن كتابًا مثل "نحن والمستقبل"، يمثل دعوة يوجهها مؤلفه د. مصطفى سويف إلى الأجيال الشابة على وجه الخصوص لأن المستقبل لهم، فالدعوة إلى بناء المستقبل تبدأ من هذه الأجيال فقضايا العلم والتعليم والعمل والثقافة العلمية والتخلف الاجتماعي (أو التقدم الاجتماعي) تعد من أهم محاور الاجتماعية الثقافية التي يجب أن تشغل بال شباب اليوم المتطلع إلى حياة أفضل في غد مشرق بإذن الله. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية