د. عصفور وجائزة القذافي

بقلم: د. حمدي الجابري
انجاز بعيد عن السياسة

ما أغرب حال الأدباء في عالمنا العربي، فبمجرد أن اعلن عن حصول د. جابر عصفور على "جائزة القذافي العالمية للآداب" حتى قامت الدنيا في ليبيا، فقد وجدها الأدباء هناك فرصة للتعبير عن معاناتهم وضآلة مواردهم في حين يتم منح أموالهم للغرباء وهي التي كانت تكفي لسد حاجات المئات منهم، واذا كان ذلك حال بعض أدباء ليبيا تجاه منح عصفور الجائزة فإن بعض أدباء مصر فضلوا إلقاء "كرسي في الكلوب" لإفساد الفرحة، ويبدو أن هذه "الكراسي" ستزيد مع مرور الأيام..
وكان حصول الدكتور جابر عصفور من قبل على جائزة العويس الراسخة التي تفوق جائزة القذافي الوليدة لم يثر نفس الغضبة بين الأدباء بل مرت مرور الكرام دون أن يوجه أحد اللوم لعصفور أو للجائزة، ولعلها المرة الأولى التي يقابل فيها جابر عصفور بكل هذا الهجوم الذي تراوح بين أنه "البديل الكفؤ" أو "أنه لو فكر لشعر بكثير من الخجل" وكأنه قد قبل جائزة بهذه الضخامة من سيدة سيئة السمعة!
الحقيقة أن جابر عصفور كأستاذ وناقد يستحق ما هو أكبر من جائزة القذافي التي تصل قيمتها المادية الى أكثر مما حصل عليه طوال حياته الأكاديمية أو الوظيفية، ولعل هذا هو السبب الذي دفع عصفور الى قبول نفس الجائزة بعد أن رفضها الكاتب الأسباني خوان غوتيسلو لإعتراضه على مانح الجائزة ونظامه. وبالطبع لم يعرف عن جابر عصفور أنه معارض لنظام أو حاكم، وبالتالي لم يكن ممكنا تصور قيامه برفض هذه الجائزة الضخمة خاصة وأن الجوائز نفسها لم تعد محل تقدير كبير لكثرتها في عالمنا العربي ولفائدتها المحدودة أو كما قال عزت قمحاوي "انها ليست أكثر من قرشين بيفكوا زنقة، لا تؤسس قيمة ولا تزيد مبيعات رواية"، وليس لجابر عصفور رواية وبالتالي فإن "فك زنقة" هو الأقرب!
والأكيد أن جابر عصفور يستحق أكثر من مركز الترجمة بعد المعاش كما يستحق أكثر من الجائزة، فهو الذي قاد المهرجانات الثقافية والندوات التي تم فيها دعوة الكثير من الأسماء النافذة في بعض البلاد العربية والأجنبية الذين ردوا الجميل بالإشادة بمصر وثقافتها وبعصفور نفسه الذي أصبح من النادر أن يخلو مؤتمر أو ندوة أو لقاء ثقافي في أي بلد عربي من اسمه أو من قد يرشحهم من أصحاب الأسماء التي أصبحت لامعة بفضله.. وهو ما يحسب له لا عليه..
أما الحديث القديم عن "الاتجار بالندوات التي تحتاج الى وقفه رقابية" كما طالب البعض، أو "السبوبة" و"اعزمني أعزمك وكرمني أكرمك" بما يصاحبها من مزايا مادية وأدبية فانها تشبه أحاديث العجائز التي لا تجد من يسمعها ولا محل لها بالذات مع جائزة القذافي التي تنص شروطها على انها "تمنح للأدباء والعلماء الذين يسهمون بابداعاتهم الأدبية وعطاءاتهم في الدفاع عن حقوق الانسان وحاجاته وقضاياه العادلة وطموحاته ومعاناته... الخ" وهي اسباب وجيهة تنطبق تماما على جابر عصفور الذي استلم الجائزة في مظاهرة فنية شاركت فيها وزارة الثقافة بأسبوع ثقافي ضم فرق فنية ووفد كبير ضم اسماء لامعة من مصر والوطن العربي ربما للتأكيد على مكانة الفائز بين النخبة العربية، والحقيقة أنه كان سيغدو من الأبطال اذا ما انتهز فرصة حصوله على الجائزة وطبق شرطها بالدفاع عن حقوق الانسان إذا ما تساءل عن المصريين الذين يتم اعدامهم في ليبيا منذ فترة أو الذين ينتظرون الاعدام، أو من يقبعون في السجون، وجميعهم تملأ صرخاتهم الآفاق ولا من مجيب رسمي في وزارة الخارجية!
أو على الأقل.. مناشدة الفائز بالجائزة السلطات الليبية، مجرد مناشدة، الافراج عن 49 صيادا مصريا تتراوح أعمارهم بين 11-19 سنة محتجزين في ليبيا ومازالت وزارة الخارجية عاجزة عن الوصول اليهم كالمعتاد.. و.. ربما تكون في هذه المناشدة بداية الافراج عنهم.. ووقتها سيكون للجائزة والفائز بها.. الفضل كله..
تبقى الاشارة الى حقيقة أن مقرر لجنة الجائزة هو الدكتور صلاح فضل الذي تربطه بعصفور علاقة وطيدة وكان يحتل رئاسة دار الكتب المصرية، وهو كأستاذ وناقد يستحق أن يكون أكثر من مقرر لجنة منحت صديقه جائزة، وهو يشارك في كثير من الأنشطة التي ينظمها المجلس الذي كان عصفور رئيسا له، وهو في هذا لا يختلف كثيرا عن بعض الوفد الكبير الذي رافق عصفور لاستلام الجائزة، وهو وفد كبير لم يكن للجائزة وأصحابها القدرة على جمعهم والإستفادة من أسمائهم للإرتقاء باسم الجائزة وتشريفها وبينهم رئيس اتحاد كتاب مصر ورئيس اتحاد كتاب سوريا ووزير سابق مشهود له وغيرهم، ومعهم أيضا الأديبة اللبنانية علوية صبح التي لم تفز بجائزة البوكر هذا العام بروايتها "اسمه الغرام" فقامت الدنيا وتم إتهام رئيس لجنة التحكيم بأنه أديب من الدرجة الثانية كما وصفه عصفور أو العاشرة كما وصفته علوية صبح، وانسحبت عضو لجنة التحكيم المصرية! ولا شك أن اصطحاب عصفور للأديبة اللبنانية أثناء استلامه للجائزة تكريم لها وفي نفس الوقت، ربما يثير من جديد شهية البعض للحديث عن طبيعة وأجواء منح الجوائز العربية! د. حمدي الجابري