د. بنبين باحث مقيم في مكتبة الإسكندرية

كتب ـ محمد الحمامصي
باحث مقيم

يجيء برنامج الباحث المقيم في مكتبة الإسكندرية الذي يشرف عليه د. يوسف زيدان، مدير مركز المخطوطات ومتحف المخطوطات، إحياءً لإحدى السمات المميزة لمكتبة الإسكندرية القديمة، وحرصا على امتداد روح مكتبة الإسكندرية القديمة والجديدة، فقديمًا حرص البطالمة، حُكام الإسكندرية القدامى الذين أنشأوا المكتبة ورعوها، على أن يستقدموا لها العلماء من أرجاء العالم القديم؛ ليمكثوا فيها ويثروا الحياة العلمية بها، مما كان له أعمق الأثر في تأصيل المعرفة، وتطوير العلوم، وإرساء مجد الإسكندرية كمنارة للفكر والعلم لا ينمحي أثرها من ذاكرة الإنسانية.
يقول د. يوسف زيدان "سيراً على هذا الدرب، يتبنى مركز المخطوطات بالمكتبة، هذا البرنامج الرامي إلى استضافة كبار الباحثين التراثيين في العالم، وألمع الأسماء في سماء المجالات التراثية المختلفة، للإقامة في مكتبة الإسكندرية فترة يلتقي خلالها (الباحث المقيم) بالمتخصصين يوميًّا، بما يضمن الاحتكاك المعرفي المباشر، واقتباس الروح العلمية بما يحفظ توهُّجها وانتقالها من جيل إلى جيل."
وخلال فترة إقامته (التي لا تقل بحالٍ عن أسبوعين) يلقي الباحث الزائر، على الجمهور عدداً من المحاضرات العامة.
وسوف يقوم مركز المخطوطات بعمل توثيق للمحاضرات، لإتاحتها لجمهور الباحثين على أسطوانات تتولى مكتبة الإسكندرية توفيرها لمن يطلبها بسعر التكلفة.
وقد تم توجيه الدعوة لنخبة من كبار المشتغلين بالتراث في العالم، فأتت استجابات لا تزال تتوالى، مما أمكن معه الإعلان عن بدء هذا البرنامج مع بداية العام 2006، حيث حفل البرنامج بإقامات الأساتذة: علي أحمد سعيد (أدونيس)، محمود علي مكي (مصر) ورشدي راشد (فرنسا)، ورمضان ششن (تركيا)، وعبد الحميد صبرة (أمريكا).. وغيرهم.
ويُعلن عن تفاصيل برنامج الباحث المقيم، المعروف اختصاراً باسم RSP قبل حضور كل باحث بوقت كاف، حتى يتسنى للمهتمين لقاءه والاستفادة من فترة إقامته بالمكتبة. كما ستعلن المحاضرات العامة، موضوعاتها ومواعيدها، قبلها بوقت مناسب.
ويقول د. يوسف زيدان "إن الدورة القادمة للبرنامج سوف تستضيف العالم المغربي د. أحمد شوقي بنبين مدير الخزانة الحسنية بالمغرب منذ العام 1994."
وقد صدرت له أعمال عديدة فى مجال التراث والمخطوطات منها: تاريخ المكتبات في المغرب (بالفرنسية) في 1992، دراسات فى علم المخطوطات (الكوديكولوجيا) والبحث الببليوغرافي 1993، المخطوط العربي وعلم المخطوط 1994، ديوان شاعر الحمراء 2002، معجم مصطلحات المخطوط العربي (بالاشتراك مع الدكتور مصطفى طوبى)، فهارس الخزانة الحسنية: التاريخ ـ الأدب ـ البلاغة ـ العروض ـ اللغة والنحو.
وقد نشر د. بنبين عدداً من البحوث والدراسات فى الدوريات المتخصصة بمصر والمغرب وسوريا، وشارك بأوراق بحثية فى عدد من المؤتمرات الدولية، كما أشرف على، وناقش، ما يزيد على مائة رسالة جامعية للماجستير والدكتوراه، وهوعضو مجلس إدارة مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية.
ولد د. بنبين بمراكش، ودرس بمدينة فاس وحصل على دكتوراه السلك الثالث من السربون عام 1975 ثم حصل من الجامعة ذاتها على دكتوراه الدولة سنة 1986.
عمل أستاذاً بكلية الآداب (جامعة الرباط) وتولى عدة مناصب بالمغرب، منها: مدير المكتبات بوزارة الثقافة المغربية، نائب مدير الوثائق بالقصر الملكي.
وعن المحاضرات التي سيليقيها د. بنبين خلال فترة إقامته في إطار البرنامج يقول د. زيدان "المحاضرة الأولى هي (الكتاب العربي المخطوط من النشأة إلى ظهور الطباعة)، يتناول فيها د. بنبين محاور ثلاثة تتعلق بظروف نشأة المخطوط وعوامل تطوره، يهدف المحور الأول إلى تحديد مفهوم لفظ كتاب وكلمة مخطوط من حيث المصطلح كما يهدف إلى إبراز العناصر الأساسية لظهور الكتاب وهي الكتابة والكُتَّاب وأدوات ومواد الكتابة وغير ذلك من تراث يدعو إلى حفظه وتسجيله.
ويعالج المحور الثانى التطور الذي عرفه المخطوط العربي فى الشرق وفى الغرب الإسلامي، وذلك من حيث شكله وكتابته ومواد كتابته عبر العصور.
ويعرض المحور الثالث بإيجاز للتحول الذي أحدثته ظاهرة الطباعة في الكتاب العربي المخطوط.
أما المحاضرة الثانية فتأتي بعنوان علم المخطوط العربي (أوالكوديكولوجيا العربية)، والكوديكولوجيا la codicologie علم حديث يتناول المخطوطة باعتبارها قطعة مادية ويدرس المخطوطات من حيث صناعتها وتركيبها وتاريخها ومصدرها وتملكها إلى غير ذلك مما يسمى بخوارج النص كالحواشي والتعقيبة والوقف وغيرها.
وتتناول المحاضرة لفظ كوديكولوجيا من حيث المصطلح ومن حيث مفهومه وظهوره فى الغرب مع إشارة إلى التجربة الغربية في هذا المجال حيث نعالج بإيجاز مواقف المدارس الفيلولوجية المختلفة تجاه مفهوم هذا العلم.
ثم يتلو ذلك تحديد هذا العلم فى التراث العربي وإبراز أهم عناصره ومعالجة بعض القضايا التي تدخل فى صميم علم المخطوط بمفهومه الحديث كقضية الفهرسة وعلاقتها بعلم المخطوط، والوقفيات، ومشكلة النساخة وظاهرة التعقيبة التي اعتبرها الكثير من الباحثين متأخرة في المخطوط العربي.
وقد أكد البحث العلمي أنها ظاهرة عرفتها اللغات السامية ورافقت المخطوط العربي منذ بداية عصر التأليف.
ويخلص العرض إلى أهمية هذا العلم بالنسبة للباليوغرافي أو المتخصص في علم المخطوطات القديمة ولمفهرس المخطوطات والمحقق المهتم بإحياء ونشر التراث.
وتلقى المحاضرة الثالثة (أصول علم التحقيق العلمي العربي) الضوء على أصول التحقيق العلمي منذ نشأته في الثقافة اليونانية إلى أن أصبح علماً قائماً بذاته له أصوله وقواعده وبنياته فى الغرب منذ أواسط القرن التاسع عشر.
هذا بالإضافة إلى مفهوم التحقيق في التراث العربي من حيث المصطلح ومن حيث ظهوره في المجتمع العربي، وإلى أي حد يمكن اعتبار ما حقق من مخطوطات تحقيقاً علمياً صحيحاً.
ومن الملاحظ أن التحقيق العربي لم يأخذ بالأساليب العلمية التي وضعها الفيلولوجيون الغربيون لنشر التراث اليوناني واللاتيني بالرغم من التباين الموجود بين التراثين الشىء الذي سيجعل إعادة تحقيق كل ما حقق من كتب التراث، عند توافر الشروط اللازمة، أمراً ضرورياً.
وتتناول المحاضرة الرابعة (معجم مصطلحات علم المخطوط العربي) قضية المصطلح في المخطوط العربي، في محاولة لتحديد مفاهيم الألفاظ المتداولة في التراث العربي المخطوط قديماً وحديثاً، وهو أمر أساسي لإدراك علم المخطوط.
فبقدر نمو العلم ينمو المصطلح وبقدر تضلع أصحاب الاختصاص يزداد شعورهم بضرورة صناعة المصطلح وضبطه وتنميطه باعتباره الوسيط في التصور والوصف والفهم.
من هنا تسعى المحاضرة لاستجلاء معاني كثير من المصطلحات تم استعمالها خطأ أو في غير مكانها أو أُسىء فهمها.
فمن معاني لفظ ورق مثلاً: ورق البردى، القرطاس، الرق، الكاغد، الجلد والطرس (Palimpseste) وغيرها. ولا يمكن فهم معناها إلا حسب السياق.
ويبرز العرض كذلك الأصول اللغوية لكثير من المصطلحات المتداولة في التراث العربي المخطوط.