دين.. أم صـور دينية

الدين بنية ثقافية ونفسية وروحية

الدين تعاليم مقدسة صادرة عن مصدر الهي او مصدر بشري ذي مكانة معرفية عالية تخول له البت في امور الكون والاجتهاد فيه؛ الدين هو مجموعة من العقائد والافكار توضح الغاية من وجود الانسان وعلائقه في الحياة والكون، الدين يسلط الضوء على ما ورائيات الطبيعة والالهيات ويرتبط بالاخلاق وبكل الممارسات والسلوكيات النفسية والروحية سواء بالنسبة للفرد او المجتمع.

فترات نزول الاديان وتشكلها مفصلية في حياة المجتمعات، فهي قد ساهمت بنقل المجتمعات نقلة نوعية في الميادين كافة لأن خطابها، في تلك الازمان، حداثوي اخرج المجتمعات من الجمود والتخلف والبربرية صوب المدنية والانفتاح والتحضر وعملت مع القيم السياسية والاقتصادية والاعراف الثقافية السائدة في ذلك العصر على بناء حضارات ما زالت قائمة في الواقع حتى يومنا هذا الدين في رسائله الانسانية وبشائره الاولى قام بتدعيم القيم النفسية والروحية والاخلاقية (للمواطن – الفرد) بعد ان كان هذا الفرد تتناوشه الاوهام والخرافات والاساطير وتفتك به العصبية القبلية ويجنح بشكل دائم الى العنف ومصادرة حياة الاخرين.

الدين لم يكن غريبا عن واقع المجتمع الذي نزل به، لغة خطابه هي لغة ابناء المجتمع الذين يدينون به وسوره وآياته المقدسة تفصيل لكل المشاكل والعقبات التي يعاني منها الافراد والمجتمع وتبصير القوم او الاقوام بكيفية تجاوز هذه الصعاب صوب حياة مثالية عادلة، الدين من يوم نشوئه ظاهرة نفسية وهو السؤال الاول الذي اطلقه البشر لمعرفة ماهية هذا الكون وتفكيك الغازه والتخلص من الاشرار الذين يسبحون في عوالمه، لقد منح الدين الانسان سابقا القوة والثقة بالنفس والهوية الثقافية والوجودية فكان مصدر اعتزاز ومباهاة، وحتى في زمننا هذا فان معظم المجتمعات تفخر باديانها ويمنحها مرتبة من العلى والأصالة والتميز.

لقد استقبلت شعوب الارض الاديان بالصدور الرحبة ودخلت الاقوام جميعا في عوالمها السحرية سواء ماكان الهيا كاليهودية والمسيحية والاسلام او وضعيا كما في البوذية والكثير من الديانات التي اتخذت من الانسان الها ومرجعا لها، لكن ثمة سؤال ما زال يؤرق الجميع، مالذي حصل في الزمن الحديث وخاصة في عالمنا الاسلامي بحيث ان الدين تحول من مصدر رحمة ومحبة ووئام بين الشعوب والبلدان الى نقمة وارهاب وكراهية والغاء وقتل على الهوية؟

الدين بنية ثقافية ونفسية وروحية، هذه البنية لم تكن يوما بعيدة عن باقي البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، الدين يؤثر في مفاصل الحياة المختلفة كما يتأثر بانعكاسات النظام السياسي وبناه التحتية وعليه ان النظرة الى الدين تختلف من زمن الى اخر فان كان المجتمع اشتراكيا حتما سيُفْرَز من بين نصوصه مفهوم العدالة الاجتماعية وان كان رأسماليا فان الدين سيتحول، ومن بين قيم المجتمع الاخرى الثقافية والعلمية، الى سلعة تباع وتشترى ويحدد قيمته قانون فائض القيمة ،لذا ان النصوص الدينية وتاويلاتها تختلف من عصر الى اخر حسب طبيعة المجتمع ومراحل تطوره الاقتصادية والعمرانية وحتى انعكاسات هذه النصوص على النفس البشرية تتباين من فرد الى اخر، فكلما كان المجتمع حديثا ومتسلحا بالتقنية وبناه الاجتماعية راكزة، كان للدين معطى روحي، لا غنى عنه، يزيد من صلابة شخصية الفرد ويدعم من قواه النفسية والعقلية ويجعله اكثر ثقة وحزما على مواجهة المشاكل والصعاب، المجتمعات الفقيرة المتخلفة يكون انعكاس دينها مختلفا، التشوش والفوضى واللاعلمية الموجودة في حياة المجتمع وغياب النظام السياسي والاقتصادي العادل ينتقل بشكل وبآخر الى المنظومة الدينية فترتبك النفوس وتعشش العقول بالاوهام والخرافات وتستبدل التأويلات العقلانية للنصوص الدينية باللاعقلانية والغرائبية والفنتازيا وبدل ان يدعم الدين قوى الفرد النفسية يمدها بالخواء والتنخر فيبدو المواطن مخدرا لا يعرف الجهة التي يمضي اليها ويظل يدور في فلك العدم والضياع كما يحصل الان في العراق وافغانستان وكل الدول الاسلامية التي تقع تحت هيمنة الحركات السلفية والاحزاب الدينية والتيارات المتطرفة.

اذن النصوص الدينية ليست سرمدية وابدية وعنوانا لكل الازمان وغير قابلة على التغيّر وكلامها لا يخضع للجدل والتمحيص كما يحاول رجال الدين ان يشيعوه كي يبعدوا عنها الدرس والاختبار وتسليط اضوية النقد والتفكيك من اجل الوصول الى مكامن الحقيقة فيها، بل العكس فانها تتاثر بحركة المجتمع صعودا ونزولا كأي بنى ثقافية وتتعرض للمد والجزر في تفاقم الصراع الاجتماعي وينقلب تاثيرها من بناء نسيج روحي واخلاقي الى قشرة نفسية كورقة بصل خفيفة تتكسر عند ابسط هزة وادنى انفعال، مشكلة مجتمعاتنا الاسلامية انها مجتمعات لا علمية، استهلاكية تعيش على فتات الآخرين وفضلاتهم، مجتمعات تقتات على الوهم وانها وان خسرت الدنيا وجنائنها العلمية، كما يقول علماؤها ،لكنها ستكسب الآخرة بوعودها وفردوسها القادم، هم يعتقدون ان الدين الذي نزل على ارضهم، وبتأويلاتهم المريضة ،هو الوحيد القادر على انقاذهم من كل ما يصيبهم من شرور متقاطعين مع كل ما وصلت اليه المجتمعات الاخرى من تطور تكنولوجي مذهل وقد جعلوا من الدين، لجهلهم، اداة مقاطعة العلم والحياة ولذا نرى بان هذه المجتمعات متقهقرة متراجعة ماضيها افضل من حاضرها ومستقبلها بلا ملامح لان كل شيء في المجتمع يدور في فلك الهلاك والخسران، الاديان السماوية ومنها الدين الاسلامي بآياتها واحداثها في ازمنة نزولها الاولى ليست هي نفسها اليوم ، لقد قام تجار الدين والسياسة وبعض الفقهاء، عبر العصور، بوضع الحجب والستر ما بينها وبين كل ما يمت الى حياة المواطن وسعادته بصلة، لقد افرغت معظم النصوص من محتواها الانساني والروحي واصبحت بضاعة تدر ارباحا مجزية وتديم المصالح الشخصية والحزبية والفئوية، ما تبقى من هذه الاديان طقوس وشعائر الكثير منها غريب عن طبيعة هذه الاديان نفسها يمارسها الفرد والمجتمعات ولكنها لا تشكل له سوى حركات رياضية منشطة وقصص خيالية ومواعظ ساذجة تبعث على الهزء والسخرية لا تضيف شيئا الى معماره النفسي والروحي، تبقى هذه الممارسات الانفعالية أقرب الى الصور الدينية البائسة لا علاقة معرفية او بنيوية لها بالدين الأصل وتكون بديلا عنه في هذا الزمن الحديث الملتبس، هذه الصور الدينية تغرق المجتمع أكثر وأكثر بالضلال والبهتان وتدفع بالمواطن لاجترار الاوهام كحقائق لا غنى له عنها تجعل منه مسخا يتم التحكم به وبكل افكاره ومشاعره عن بعد.

سلام حربه

كاتب عراقي