ديمقراطية سورية جاهزة للتصدير: نموذج وليد المعلم

بقلم: إبراهيم الزبيدي

بكل تأكيد نقول للسيد وزير الخارجية السوري إنه يستطيع أن يقدم "نموذجا ديموقراطيا غير مسبوق في منطقتنا"، كما قال. وبالتأكيد أيضا يستطيع أن يحقق "عدالة اجتماعية ومساواة أمام القانون ومحاسبة للمقصرين".

ولكن لا بد للمراقب السياسي المشاكس أن يسأل السيد الوزير عن هذا التحول العجيب الفريد الغريب، متى، وكيف، وأين، وبأية وسائل، وديمقراطية من أي نوع، وعدالة اجتماعية من أية خامة؟ رغم علمنا بأن الرفيق وليد المعلم موظف لا حول له ولا قوة، تماما كما كان الصحاف وطارق عزيز وناجي الحديثي في مزرعة القائد الضرورة الراحل، مجرد سُواس (جمع سائس) لخيوله، أو قطع شطرنج يلعب بها وقت الفراغ. وهو هنا مضطر لأن يكون العطار المكلف بإصلاح ما أفسد الدهر في نظام ٍ هرم َ وشاخ وكثرت فيه التجاعيد.

ومن استمع مثلي لتصريحات المعلم يسجل نقاطا مهمة جديرة بالتوقف عندها:

المؤامرة الخارجية:

أراد الوزير أن يؤكد أن ما يجري في سوريا، نهارا وليلا، في شرق سوريا وغربها، شمالها وجنوبها، من تظاهرات جماهيرية صاخبة تتحدى الموت وتقدم كل يوم وكل ساعة شهداء ومصابين ومخطوفين ومشوهين ومهجرين، مجرد مؤامرة خارجية لئيمة تقودها أوروبا الصليبية ضد "جمهوريته الفاضلة". أما فقر المواطن السوري، وأما هيمنة الحزب الفاشل على كل مقدرات الوطن، وأما سطوة المخابرات على الأبيض والأسود، وعلى الأخضر واليابس، وأما الفساد المستشري والرشوة واستغلال النفوذ، وأما فضائح أقرباء الرئيس، فليس لها دور في تفجير غضب الجماهير، وفي إشعال انتفاضتها الشاملة المصرة على النصر أو الموت.

العتاب:

السيد الوزير ينقل عن رئيسه عتابا مرا و"زعلا" كبيرا على زملائه الأوروبيين. فهم لا يعتمدون على حقائق، بل على معلومات "مغشوشة" تصلهم من خارج سوريا، وليس من داخلها. فقد قال الوزير "مع الاسف منذ اندلاع الأزمة في سوريا لم يأتنا مسؤول اوروبي واحد ليناقش معنا ما يجري".

إذن فهو يتوهم أن غلق الحدود، وتحريم دخول المراسلين الصحفيين، واغتيال الكتاب والمثقفين والمطربين والموسيقيين والرسامين، سيخفي الحقائق عن العالم ويستر ما يجري في درعا واللاذقية ودير الزور والقامشلي وحمص وحماه وغيرها من مدن سوريا وقراها التي لا تتوقف عن المطالبة بسقوط النظام.

وهو أيضا يظن أنه قادر على أن يلغي قدرات وكالات الأمم المتحدة على التحري، ومعها مؤسسات حقوق الإنسان الدولية، وأجهزة مخابرات الدول، وأقمار التجسس السابحة في الفضاء والتي تصور حتى أدق التفاصيل داخل منزل السيد الوزير، والفضائيات والإذاعات ووكالات الأنباء، والإنترنت، والهاتف النقال وأجهزة التصوير المتطورىة الملحقة به والتي تستطيع تصوير أي حدث ونقله إلى آخر بقعة في الدنيا الواسعة في ثانٍ معدودات.

هذه هي العلة الحقيقية في أنظمة الفرد الواحد الفاشلة. قصورٌ مطلق عن فهم العصر وإدراك التحولات التي تحدث فيه، والانحباس داخل قواعدها ومقاييسها وقيمها وتخيلاتها وحدها، إلى أن يداهمها الواقع فيزيح عنها الغطاء. الأبيض أو الأسود أبيض أو أسود كما يراه الرئيس. وما عدا ذلك مروق وضلال وجهل وغباء.

لقمة العيش:

السيد الوزير "زعلان" جدا وخائف على المواطن السوري، خصوصا على لقمة عيشه التي يريد الأوربيون حرمانه منها بعقوباتهم التي فرضوها أو سيفرضونها، ظلما وعدوانا، على رامي مخلوف وعدد آخر من زلم الرئيس. وهذا في عرف السيد الوزير إعلانُ حرب ٍ أوروبية ٍ على الشعب السوري، لله بالله، دون سبب ولا ذريعة. وكأن النظام، من أول أيام حركة "الأب القائد" التصحيحية، لا يهدأ له بال، ولا تغمض له عين، خوفا على أمن المواطنين، وحرصا على لقمة عيشهم، وحماية لهم من المتلاعبين والسماسرة والمرتشين. إن الوزير ينسى، أو ربما لا يعرف شيئا عن عبث إخوة الرئيس وأولاد أعمامه وأخواله وكبار قادة مخابراته وأجهزة أمنه وضباطه الكبار بلقمة عيش المواطن السوري، على مدى نصف قرن، من أيام الراحل الكبير الذي جعل مواطنين سوريين يُعلقون على يد تمثاله في الصالحية بدمشق علبة زيت فارغة، تعبيرا عن احتجاجهم على شحة المواد الغذائية في سوريا، لأن الهوامير الكبيرة تحتكر استيرادها وتعبث بأمورها.

عنجهية بعثية متأصلة:

السيد الوزير، كأي بعثي تربى على العنجهية والغرور والعدوانية وإنكار الآخرين والاستهتار بوجودهم، قرر محو أوروبا من الخارطة. ومؤكد أنه سمعها من رئيسه ونقلها عنه بأمانة. قال "سننسى أن أوروبا على الخارطة". ليس هذا وحسب. فهو لابد مُقدمٌ غدا أو بعد غد على محو أميركا أيضا، وروسيا والصين. وبين هذا وذاك هو مضطر لمحو دول عربية عديدة، ومحو تركيا من الخارطة. "إننا سنتجه شرقا وجنوبا والى كل اتجاه يمد يده لسوريا"، هكذا قال. لكنه لم يحدد وجهته بدقة، فأيَّ شرق يعني وأيَّ جنوب يريد؟ فلا يوجد سوى دولة الولي الفقيه في الشرق، إذا وافقنا على اعتبار العراق إحدى ولاياتها، وسوى مقاتلي حزب الله في الجنوب. وهما أصل المشكلة. فلم يكسر رقبة النظام السوري سوى هذين الحليفين، ولم يُحرق الأخضر واليابس في سوريا ولبنان وفلسطين سوى شرور الولي الفقيه وغرور ذراعه العربي العنيد حسن نصرالله.

إنه بهذا القول يفضح يأس النظام، ويعلن هزيمته الفاضحة، تماما كما فعل رفيقه الراحل صدام حسين حين دفعه الغرور والكراهية والأخلاق البعثية العدوانية المتوارثة إلى استبدال الدولار باليورو في بيع نفط العراق، لمعاقبة أميركا ودولارها اللعين. فمتى يستفيق هؤلاء السياسون الفاشلون، وكم يكفيهم من الخراب والدمار والحريق لكي يتوقفوا عن المكابرة والعناد؟

إن من أدمن إلغاء مواطنيه من حسابه كل هذه السنين، وأسماهم بالجراثيم، وداس على أجساد شهدائهم بدباباته، ودك منازلهم بقنابله وصواريخه، بدم باردٍ معتبرا ذلك منه شجاعة ًوحزما وشطارة، سهْلٌ عليه أن يُنكر وجود أوروبا وغيرَها على الخارطة، إذا اقتضت الضرورة.

المؤامرة التركية:

إن البعثيين دائما وأبدا لا يجيدون سوى صنع الخصوم والأعداء والكارهين. فبعد كل ذلك "السمن على العسل" التركي السوري الذي يعترف الوزير بأن رئيسه بشار أنفق من أجله سنين من عمره الثمين ومن عرق الجبين يرفس وليد المعلم تلك النعمة بجرة قلم، ويدوس على كل ذلك الحب والغرام، فيعلن أن تركيا تآمرت على سيده، وأجبرت المواطنين السوريين على اللجوء إليها. يعني أن تركيا هي التي سعت إلى استدراج آلاف اللاجئين إلى أراضيها لكي تتحمل أعباء هذا اللجوء. مخيمات ٍ لعشرة آلاف مهجر، وطعام يومي، وأدوية، وحماية لهم من هجمات "شبيحة" النظام العابرين للحدود.

يقول المعلم إن لديه "ما يثبت أن الخيام نُصبت قبل أسبوع من دخول الجيش السوري الى مدينة جسر الشغور، وأن مسلحين أجبروا العائلات على هجر مدينتهم". ولله في خلقه شؤون.

التدخل الإيراني وحزب الله:

وليد المعلم نفى نفيا قاطعا أية مشاركة من إيران أو حزب الله في مواجهة المتظاهرين السوريين. لكنه اعترف بوجود "دعم سياسي" من جانبهما لتجاوز الازمة ودعم الاصلاحات.

طبعا. فتراث النظام الإيراني في الديمقراطية والإصلاحات الدستورية عريق وأصيل وكبير. وسجله في حقوق الإنسان ناصع البياض ولا يضاهيه نظام آخر في المنطقة بل في العالم. الأمر الذي يجعل البعث السوري (الغشيم جدا في معالجة التظاهرات ومعالجة الانتفاضات) معذورا حين يطلب العون والنجدة من طهران. أما حسن نصرالله، مانديلا العرب وغاندي لبنان وسوريا وفلسطين، فليس أكثر منه نعومة والتزاما بالوسطية والعقلانية وإيمانا بالديمقراطية وجنوحا إلى السلم مع إخوته السياسيين اللبنانيين الآخرين، حتى وهم مختلفون معه، ويتهمونه، زورا وبهتانا، باستخدام سلاح "المقاومة" لإرهابهم، ولتحقيق مكاسب سياسية على حساب هيبة الدولة وكرامة جيشها وقوات أمنها، أو حتى وهم ينعتونه بالعمالة لإيران وبالتآمر مع البعث السوري على لبنان وأمنه واستقراره. وبدون خبرته العميقة في المصالحة الوطنية لن تخرج سوريا منتصرة من هذه الغمة العابرة.

شيء أخير. إن العالم خلوٌ تماما من الديمقراطية. أو بعبارة أصح، جاهل في أصول الديمقراطية، وواهمٌ بأن الذي عنده ديمقراطية، وهي ليست كذلك. وبناء عليه، فجميع شعوب المنطقة والعالم تتطلع إلى الترياق الديمقراطي الأصيل يأتيها من سوق الحميدية ومن حلب واللاذقية ودرعا ودير الزور. وقد بشرنا السيد وليد المعلم بأن ديمقراطية ًسورية ً فريدة ً من نوعها معلبة ٌ وجاهزة ٌ للتصدير الخارجي، فمن يشتري؟

إبراهيم الزبيدي