ديمقراطية العرب بين الحنجرة والبلعوم

رحم الله فكيه العرب الشهير، وكوميديان الرؤساء والملوك الأول، وعقيد الجيوش العربية قاطبةً معمر القذافي الذي اخترع فأنجز، وشرح فأوجز، فتمخض فكره عن المعنى الحقيقي للديمقراطية في ثوبها العربي حيث قرر أن معناها اسماً وعملاً (ديمو كراسي) أي ديمومة الحاكم في الكرسي، وهو بذلك يصارح الأمة بأن الديمقراطية العربية هي الوسيلة الطبيعية لقفز الحاكم العربي إلى الكرسي وتأبيده فيه، فحسب ولا شيء بعد ذلك.

وتلك هي قناعات جماعات الإسلام السياسي التي طبقت هذه النظرية بحذافيرها، فرأيناها تنخرط ظاهرياً في العملية السياسية وفقاً لآليات النسخة الغربية للديموقراطية، وبعد أن وصلت للحكم استبدلتها بنسخة القذافي (ديمو كراسي)، واستعطى الناس من خلالها ومعها مخدرات أكذوبة ديموقراطية الصندوق، ودولة المؤسسات، وسيادة القانون، وكلها خديعة كبرى عاشها الناس وما زالوا يعيشونها في بعض البلدان التي ابتلاها الله بتلك الجماعات.

والحقيقة المجردة، بل المؤلمة، أننا في العالم العربي لن يتسنى لنا دخول نادي الدول الديموقراطية مطلقاً، لأننا ببساطة نفتقد مؤهلات ومتطلبات هذا الدخول. فالديموقراطية بالنسبة للعرب كلمة تزدان بها الجدران ويتشدق بها اللسان، مكانها ومآلها الحنجرة، محظور عليها أن تتخطاها إلى البلعوم فهي كلمة ثقيلة على أمعاء أي عربي لا يستطيع بلعها، فما بالنا بهضمها وسريانها إلى وجدانه، وهو الذي يضيق بها وبنتائجها وأوصافها.

أبرز ما كان يُميز القذافي، أنه كان صريحاً لدرجة الفضيحة، فهو ابن هذه الأمة الإسلامية والعربية، التي لم تعرف في تاريخها السحيق أو القريب أي حكم ديمقراطي، وبالتالي فجميع الأجيال الإسلامية والعربية المتتابعة عبر الأزمان، نشأت وترعرعت على ثقافة الجاهلية القبلية، والسلطة الأبوية المطلقة، فعندما يفسر القذافي معنى الديمقراطية بأنها بقاء الحكام على الكراسي، فإنه لم يقل غير الحقيقة.

فهذه هي ثقافتنا العربية، وليست لدى الحكام فقط، بل إنها عند أصغر درجة من درجات السيطرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، بواب أي عمارة مع كامل احترامي وتقديري لما يقوم به من عمل شريف، فهو لا يُفكر أبداً بتداول هذا العمل مع غيره، وإن تقدم به العمر فلابد أن يتسلمه أحد أبنائه من بعده، إنه في قرارة نفسه على قناعة بأنه المالك الحقيقي للعمارة، فقد تحول بمرور الزمن إلى الآمر الناهي فيها والمتحكم في مرافقها، وقس على ذلك كل من بيده أي نوع من أنواع السلطة في أي بلد عربي، إلى أن نصل إلى الحاكم الذي رسخ في ذهنه ووجدانه أنه هو أصل الوطن، والتأريخ المصري لذلك ليس ببعيد، ألم تكن مصر معروفة بأنها مصر مبارك؟ فالجميع مؤمن بأن أجمل ما في الديمقراطية العربية هو الديمومة على الكراسي، وما عدا ذلك، فهي صفة من صفات العلمانيين تُسبب المآسي.

ولأن شروط أي بلد ديمقراطي أن يكون الشعب مؤمناً أساساً بالديمقراطية بحكم التربية والنشأة والممارسة، فإن ذلك لا ينطبق على أي شعب إسلامي أو عربي، وعلى الرغم من أنني أحلم كما يحلم غيري بأن يصيب وطني مصر حتى ولو النذر اليسير من آثار التحول الديمقراطي، إلا أن جميع المؤشرات والعلامات مع شديد الأسف، تشي بغير ذلك.

وإذا كانت الدعاية الانتخابية للمرشحين الرئاسيين تحتم عليهما التلويح بالديمقراطية واستعمال ثمراتها الغائبة لمداعبة أحلام الفئة المتلهفة إليها كسباً لأصواتهم، فلا يتصورن أحد أنهما جادان فيما يقولان، فالديمقراطية طاهرة طالما نحن نأخذ، عاهرة إذا كان علينا أن نُعطي.

وإن كان السيد صباحي يبدو الأكثر إثارة وجلبة في هذا المضمار، فإن المشير السيسي هو الأكثر صراحة ووضوحاً لدرجة الصدمة، حينما قال أن مصر تحتاج إلى عشرين عاماً حتى تصل إلى الديمقراطية، فالحمد لله إنه لم يغلق الباب تماماً، فعشرون عاماً في عمر الشعوب شيء يسير، شريطة أن يكون هناك الإرادة والنية والعزم على أن نبدأ السير أولى خطوات الطريق الديمقراطي الطويل.

وفي جميع الأحوال فإن حركة التاريخ المصري الجديد قد بدأت بثورة 25 يناير 2011 وعدلت بوصلتها بثورة 30 يونيو 2013 وأظن أن المصريين قد تخلوا كثيراً عن أسلوبهم العتيد في الصبر والخضوع، ولم يعد يرضيهم إلا الحرية الكاملة، والحقوق المتكاملة، ولا أعتقد أن أحد المرشحين تغيب عنه هذه الحقيقة، فليتكلما كما يحلو لهما، فكل حرف ينطق به كل منهما، محفور في ذاكرة الشعب، ودائماً ما يأتي يوم الحساب، فلابد من يوم معلوم تُرد فيه المظالم، أبيض على كل مظلوم، أسود على كل ظالم.