ديمقراطية العبث الكويتية: لا أهلا ولا سهلا

بقلم: سيف نصر الفيصل

يعد العراك والتراشق الذي حدث هذا الأسبوع بين النواب الكويتيين خلال جلسة رسمية للبرلمان الكويتي درسا بليغا في خطورة أن يتوهم الخليجيون بأن الديمقراطية البرلمانية هي مكسب ينبغي التعويل عليه. وللإنصاف فأن جلسة "الضرب بالعگل" و"البوكسات" والشتم بأقذع الألفاظ قد تكون الأقبح شكليا في سلوكيات "ممثلي" الأمة، إلا أنها ليست الأقبح عمليا بعد أن برهن النواب الكويتيون مرات ومرات على أنهم آخر منْ يفهم الغرض الحقيقي من الديمقراطية التي جاءت بهم "ليمثلوا الشعب".

دليل الفشل المتراكم والمستمر والمزمن في مجلس الأمة الكويتي أوضح من أن يذكر. فـ"الديمقراطيون" الكويتيون يعودون بالكويت إلى الوراء لا عن طريق استخدام قبضات اليد و"الجلاليق" والركل فقط، بل لأنهم برهنوا عن تخلف مستشر أعاق التطور في البلد على مدى عقود بعد أن كانت منارة إقليمية للتقدم الثقافي والفكري.

نظريا، كان للكويتيين أن ينتخبوا زعامات قبلية في دورات أولية مع بداية نشوء الدولة ليتطور الأمر نحو اختيارات أكثر انفتاحا وأكثر ليبرالية. لكن العكس بالضبط هو ما حدث. فالناس يتحسرون على ليبراليي الستينات والسبعينات أمام عمائم "السادة" و"غتر" السلفيين والأخوان هذه الأيام. نواب اليوم يتأبطون الشر عند دخولهم قبة البرلمان بدلا من أن يتأبطوا مشاريع الإعمار والتنمية الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية. إنهم يراهنون على الفرقة والصراعات وإثارة التفاهات بدلا من أن يكونوا (على الأقل كما يدعون) سببا للتطور والتوافق.

فهم الكويتيون الديمقراطية الغربية المستوردة بشكل خاطئ. عاملوا الفكرة مثلما يعاملون السيارة والمكيف واعتقدوا أنها أداة لتحقيق الإغراض الشخصية أو لتمرير مواصفات لأجندات خارجية. ومن شدة تفاهة فهمهم لهذه الديمقراطية المستوردة، قرروا أن يصدموها بحائط السفاهة كما يصدم المراهق السيارة الجديدة بسور ويحطمها وقد يتسبب بقتل نفسه. علينا تخيل المستوى المتدني الذي وصلوا إليها عندما لم يراعوا حتى الاحترام الشخصي فيما بينهم او شكلهم أمام الناس: اسم عضو البرلمان الديمقراطي في الكويت اليوم هو عضو الهوشة الديمقراطية وصراع العگل.

الديمقراطية في الكويت أثبتت أنها نبت هجين ولا محل لها في منطقتنا. يكفي أن تقارن بين السرعة والكفاءة والأداء في دولة خليجية ثانية مع الترهل والتعطيل والمهاترات في الكويت أو البحرين.

لكن الأخطر لا يكمن في صفاقة النواب وعدم احترامهم لذاتهم. الأخطر يكمن في عدم إدراكهم، ساذجين أم متعمدين، حجم التحديات المصيرية التي تحيط بالخليج هذه الأيام.

يتناحر النواب الكويتيون طائفيا، فهذا شيعي وهذا سني، وهذا أخوانجي وذاك سلفي. وهم إذ يعبرون عن مصالح منْ يحركهم من أصحاب المشاريع الطائفية الإيراني أو الأخواني أو السلفي، إلا أنهم لم يلجأوا حتى للإيحاء بأن دوافعهم وطنية وأنهم يقدرون خطورة المرحلة.

لنفترض جدلا أن النواب الكويتيين سذج وأن دوافعهم الطائفية حقيقية وأنهم بالفعل يؤمنون بها. ألا يكفي ما يحدث في البحرين من صراع متفجر كاد أن يودي بالبلاد لكي يرعوي هؤلاء ويؤجلوا صراعاتهم وسذاجتهم لكي يمارسوا "حقهم الديمقراطي" بالاختلاف في أجواء أفضل؟

لا بالطبع. لم يحدث أي شيء من هذا. بل العكس هو ما كان. فكلما تأججت الأزمة الطائفية في المنطقة، كلما سارع "نوابنا الديمقراطيون" إلى إلقاء المزيد من الزيت عليها لتزيد لهيبا.

أهذا سلوك وطني؟ إن هؤلاء الديمقراطيين هم الأبعد عن الحس الوطني وهم أدوات فتاكة في أيدي القائمين على المشاريع الإيرانية والأخوانية والسلفية في المنطقة. هم أبعد عن أن يكونوا من يملك الحق في تمثيل الكويتيين، بل هم الذين يزينون للحكومة تخبطها إن صح كلامهم وموقفهم من الحكومة وآل صباح.

إن درس فشل "الديمقراطية" الكويتية أكثر من بليغ ويكمل بما لا يدع الشك درس فشل "الديمقراطية" البحرينية. في الحالتين لم تؤدي هاتان التجربتان إلا إلى تعريض البلدين إلى مخاطر جمة في زمن صعب وظروف استثنائية.

ما يحتاجه البلد الخليجي هو أن يستنبط طريقته الخاصة بالحكم: الحكم الرشيد القائم على التوافق واحترام القانون والتمسك بالموروث السياسي الذي انصهر فيه الحاكم مع المواطن عبر قرون.

أما مروجو "الديمقراطية" العابثة من أصحاب الأجندات الإيرانية والأخوانية والسلفية فنقول لهم: بضاعتكم ردت إليكم وفوقها مئة شتيمة وضربة "عگال"، فلا أهلا ولا سهلا بكم وبفتنكم.

سيف نصر الفيصل