ديمقراطية التجويع

بقلم: بشارة مرهج

من الثوابت المعروفة ان الادارة الاميركية تتعامل مع القضية الفلسطينية في ضوء مصلحة اسرائيل وسياستها القائمة على اخضاع الشعب الفلسطيني وضم اراضيه بالقوة. وفي هذا الاطار من الطبيعي ان تؤيد واشنطن المدفعية الاسرائيلية التي تصب حممها اليوم على غزه ونابلس، وتساندها في حصارها للشعب الفلسطيني لاسقاط حكومته الشرعية المنبثقة من انتخابات نيابية اشاد بها الجميع. فهذا هو بالضبط ما تريده تل ابيب لتغييب خارطة الطريق، والتفلت من القيود الدولية التي تعرقل حركتها في ترسيم الحدود من طرف واحد، وما يعنيه ذلك من تشريع للمستوطنات حول القدس وعمق الضفة الغربية وتحويل الدولة الفلسطينية الى مجرد كيان وهمي. كل ذلك، على فظاعته، لا يشكل مفارقة. المفارقة هي في التحاق الاتحاد الاوروبي بالسياسة الاميركية ومسارعته الى قطع مساعداته للحكومة الفلسطينية والخضوع للمنطق الاسرائيلي دون بحث معمق للموضوع كما عادته عندما يعمد الى صوغ توجهات جديدة حيال قضايا ساخنة تطرح نفسها على المسرح الاقليمي والدولي.
فالاتحاد الاوروبي الذي قدم نفسه حريصا على تسويق مبدأ الشراكة مع شعوب البحر الابيض المتوسط، وتفهم قضاياها العادلة، واحترام خياراتها السياسية، تفادى هذه المرة الدخول في صلب الموضوع واكتفى برؤية جانب من الصورة للخروج بموقف مسيء للشعب الفلسطيني. وهذا الموقف سيكون له، ولا شك، مضاعفات سلبية على حضور الاتحاد وعلاقاته بشعوب المنطقة اليائسة من انظمة امتهنت السكوت على حقوقها.
فهذه الشعوب ما كادت تتنفس الصعداء جراء الموقف المتوازن الذي تبناه سابقا الاتحاد الاوروبي تجاه القضية الفلسطينية ، حتى لفحتها من جديد ذكريات ماض استعماري بغيض ظنت انه ذهب الى غير رجعة. فالاتحاد الاوروبي تجاهل هذه المرة الاسباب التي حدت بالشعب الفلسطيني الى انتخاب حماس وقرأ الرسالة من سطرها الاخير دونما اكتراث الى منسوب الصدقية في موقفه. لم يتوقف الاتحاد الاوروبي عند رفض اسرائيل كل المبادرات العربية والدولية للسلام واصرارها على سحق الشعب الفلسطيني، وتشريد عائلاته، وتهويد اراضيه وتحويل حياته الى جحيم. لم يتوقف الاتحاد عند مشاعر الشعب الفلسطيني الذي اضناه كذب الابعدين وتواطؤ الاقربين. لم يتوقف الاتحاد عند حرمان الشعب الفلسطيني من قدسه، وحريته، وارضه وحقه في العيش بامان وكرامة في ظل دولة ديمقراطية مستقلة تتجاوب مع تطلعاته الانسانية المشروعة وتعبر عن مكنوناته الثقافية الرفيعة.
انها لحظة محزنة فعلا ان يعود الاتحاد الى تقاليد القارة العجوز فيمارس ضغوطا رهيبة لدفع الشعب الفلسطيني الى اليأس والتطرف بعدما أرسى، او كاد، موقعا متميزا متفهما لامال الشعب الفلسطيني وحقوقه.
هذا التحول الخطير في موقف الاتحاد الاوروبي الذي يحشر الفلسطينيين بين الجوع والموت من جهة او الخضوع للمنطق الاسرائيلي من جهة ثانية ليس بنت ساعته ولم يطلع فجأة على السطح. انه نتيجة عمل دؤوب قامت به المنظمات الصهيونية وحلفائها في القارة الاوروبية مثلما هو نتيجة الاهمال العربي المتلهف لمراعاة رامسفيلد في العراق وتحميل الفلسطينيين مسؤولية المرحلة وما تشهده من تداعيات مذلة على غير صعيد.
الذين يريدون اعادة عقارب الساعة الى الوراء اقوياء. لكن الشعب الفلسطيني المعلق على خشبة منذ عقود ليس ضعيفا حتى ينجح الغزاة في شطب قيده من منطقة هو في صميمها، قلبا، وروحا، ورسالة. انه قوي بوحدته ومقاومته كما بكل مواطن عربي يرفض تجويع طفل من فلسطين في وقت يحار فيه بعض العرب ماذا يفعلون برؤوس الاموال المكدسة في عنابرهم. بشارة مرهج