ديمقراطية أتاتوركية فقدت ثقة الأمة

بقلم: صباح علي الشاهر

قبل أن يرتقي أردوغان سدة الحكم، وأثناء زيارته لقبر أتاتورك، كتب في دفتر الزيارات واصفاً الديمقراطية الموصوفة بالعلمانية بإنها ديمقراطية فقدت ثقة الأمة، وقتها لم يكن الكثيرون يتصورون إمكانية فوز عمدة إسطنبول بالسلطة، لذا لم يثر هذا القول الكثير من الصخب. وما هي سوى بضعة أشهر حتى حقق زعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي الميول والنزعة إنتصاراً كاسحاً في الإنتخابات البرلمانية، ليتوج هذا الحزب حاكماً وزعيمه الشاب رئيساً لوزراء تركيا.
رغم أن الصدمة كانت كبيرة للأتاتوركيين الذين أحكموا قبضتهم على تركيا منذ إنشاء الجمهورية، إلا أن لا أحد منهم توقع أن يستمر هذا الحزب في حكم تركيا فترة طويلة، إلا أن هذا الحزب، بقيادته الواعية، كذّب ظنون الظانين، وأجهض شكوك المشككين، وحكم طيلة ثمان سنوات حافلة بالإنجازات، نقلت تركيا من موقع إلى موقع، ومن حال إلى حال.
لم يكن مصير حكم أربكان الإسلامي بعيداً عن ذاكرة الترك، والمتابعين للشأن التركي، لذا فقد توقع الكثيرون أن يكون مصير أردوغان مصير أستاذه. توقع البعض أن يكون سقوطه بنفس الطريقة، لا عن طريق إنقلاب عسكري، وإنما عن طريق إنقلاب قضائي.
يعتمد نظام الحكم في تركيا الأتاتوركية على ثلاث أعمدة: العلمانية وتُفرض كأيدلوجية شبه غيبية، لا يجوز المساس بها، والعسكر لفرض النظام والطاعه، وللتغيّير بالقوّة عند اللزوم، والقضاء ويقوم بنفس دور العسكر ولكن عن طريق القانون، ولقد أدت هذه الأعمدة دورها في الحفاظ على النظام وديمومته رغم إبتعاده كلياً وبالتدريج عن هموم وتطلعات الشعب، وتحوله إلى عائق أمام نهوض وتقدم الأمة.
فيما مضى كانت هذه القوى الثلاث تقف بمواجهة اليسار والمد اليساري، يوم كان ثمة يسار تركي محلي قوي، ويسار عالمي مساند أقوى، ويوم كانت أميركا والناتو بمواجهة الإتحاد السوفيتي وما كان يُسمى بالمعسكر الإشتراكي.
لم تتجاهل أميركا وكذا الغرب الميول الإستبدادية التسلطية للنخب السياسية التركية التي عدّت نفسها وريثة الأتاتوركية، وإنما ساندتها وقوّتها، ودافعت عنها وحمتها، تماماً مثلما تفعل الآن مع مجرمي الكيان الصهيوني.
كانت تركيا مطلوبة لمواجهة الإتحاد السوفيتي، ولمساندة الأحلاف العدوانية، أو الإشتراك فيها كحلف بغداد والناتو، ولخلق المصاعب شمالاً لبلغاريا الإشتراكية، وجنوباً لسوريا المتمردة على النفوذ الغربي، وكذلك لعبد الناصر، ولدعم إسرائيل سياسياً وإقتصادياً ولوجستياً، وفي ظل هذا الدعم تم خرق حقوق الإنسان في تركيا بشكل لا مثيل له، وجرت في سجون ومعتقلات تركيا جرائم لا تقل عما كان يجري في سجون أشد الانظمة قمعاً واستبداداً، وطبقت سياسة ميز عنصري إزاء الأقليات كالكرد والعرب بحيث تم قانوناً منعهم حتى من التحدث بلغتهم القومية، وتم تشويه العلمانية بجعلها شيئاً مخالفاً ومعارضاً لهوية الناس ومعتقداتهم، وتحوّلت القوّة العسكرية الضاربة إلى قوّة متخصصة في قمع الناس، وأصبح القانون بمؤسساته في خدمة الأيديولوجية العلمانية المشوهة، والنخب التي فرضت نفسها على الشعب، لقد نصّب الجيش والقضاة وبيروقراطيو الدولة أنفسهم أوصياء على الشعب وحماة للعلمانية.
لقد أصبحت الأمة التركية عل شفى الإنهيار والتلاشي، بعد أن ضيّعت هويتها، وتفشى الظلم والفساد فيها. وإنحدر الإقتصاد وتهاوت الليرة، وعمت البطالة، وفقدت تركيا دورها وإعتبارها في محيطها. هكذا كان الحال في ظل الديمقراطية العلمانية قبل مجيْ أردوغان، ولا حاجة بنا للحديث عما حدث خلال السنوات الثمان من حكم الديمقراطية المسلمة، فأين كانت تركيا وأين أصبحت؟
من المعروف أن الدستور الحالي هو دستور الإنقلابيين الذي تم إنشاءه في أعقاب الإنقلاب العسكري عام 1980، وهذا الدستور الذي يضم 175 مادة تم تعديل 70 ماده منه لم تؤثر على توجهاته العامة، بإستثناء تلك التعديلات التي حدثت في عهد الرئيس الراحل بولاند أجاويد عام 2000 والتي وضعت حداً لدور العسكر في الحياة السياسية، حيث أصبح عدد المدنيين في مجلس الأمن القومي أكثر من العسكريين، لكن هذا التغيير لم يقض على نفوذ العسكر بشكل حاسم، على العكس من التغييرات الحالية التي تم إقرارها من قبل الشعب في إستفتاء 12 سبتمبر/أيلول الحالي، والتي سيؤرخ تفعيلها في الحياة السياسية لولادة الجمهورية التركية الثانية.
تتضمن التعديلات الدستورية الجديدة تعديل 23 مادة دستورية، وإدخال 3 مواد أخرى، وبذا يكون إجمالي المواد الدستورية المُعدلة 26 مادة، وهي بهذا ستكون التعديلات الأوسع منذ إقرار الدستور، ليس هذا فحسب بل ستكون التعديلات الأخطر والأجرأ، والأكثر جذرية، والتي ستغير طبيعة النظام الذي سيتحوّل بعد أن تم إجراء تعديل دستوري آخر قبل عام تقريباً يتعلق بالإنتخاب الشعبي المباشر للرئيس، حيث سيتحوّل النظام من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وبهذا ستتحوّل السلطات من الركائز الثلاث (العلمانية، والعسكر، والقضاء) إلى الرئيس المنتخب من قبل الشعب، بالإضافة إلى أن هذه التعديلات ستعطي المزيد من الضمانات القانونية لترسيخ وتدعيم الحريات الشخصية، وستُعيد هيكلة ورسم إختصاصات المؤسسات القضائية الرئيسية : مجلس الدولة، ومجلس القضاء الأعلى، ومحكمة الإستئناف العليا، والمحكمة الدستورية العليا، وبإعادة تشكيل هذه المؤسسات سيتم إعادة النظر بطبيعة علاقات هذه المؤسسات بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، إذ من غير المقبول والممكن ديمقراطياً أن يقوم أعضاء المؤسسات القضائية، وكما هو حاصل الآن، بتعيين بعضهم بعضاَ في المناصب العليا لهذه المؤسسة.
لقد أثبتت الديمقراطية المسلمة نجاعتها وتفوقها على ما سُمي زوراً بالديمقراطية العلمانية في تركيا، وسيبدأ عهد جديد في تركيا، هو عهد الجمهورية الثانية، التي ستكون جمهورية رئاسية، واضحة الهوية، متوافقة مع محيطها، ومتصالحة مع تأريخها، برئاسة أول رئيس تركي منتخب من الشعب مباشرة، وسيكون على الأرجح السيد أردوغان باني نهضة تركيا الحديثة. صباح علي الشاهر