ديكنز والشقاء: رب ضارة نافعة 'جدا'

بقلم: اوزجان يشار
ديكنز.. انفعالات متصاعدة تقود الى المجد

"المرأة أساس المدينة والحضارة والعمران وإن لم يعترف بذلك الرجال. ولذلك دع الرجل يقول ما يشاء ولتفعل المرأة ما تشاء". تشارلز ديكنز

أكثر من مائة عام مرت على وفاة تشارلز ديكنز، أعظم اديب بريطاني وثاني أعظم الرجال بين كتاب بريطانيا بعد شكسبير، مؤلف "أوليفر تويست" و"دافيد كوبرفيلد" وغيرهما من القصص الشهيرة وهو الأديب الذي ترك ثروة ابداعية وروائية خالدة على مرور الزمن.
كان تشارلز ديكنز عبقريا بكل ما تعنيه الكلمة، فهو يتميز عن اقرانه بذكاء لماح، وهو دؤوب يعشق العمل وفوق ذلك كان يمتلك طاقة خلاقة جبارة. وقد ساعدت الظروف والأحداث التي مرت في حياته على شحذ عبقريته وعلى توجيه تفكيره وحياته كلها إلى احتراف القصة حيث كان نبوغه.
ولد تشارلز ديكنز في بورتسي ما تعرف الآن بـ"بورتسموث" في 7 فبراير/شباط 1812 بين عائلة كبيرة فقد كان هو الابن الثاني من بين ثمانية أخوة.
وكان والده جون ديكنز يعمل كاتب حسابات في مكتب مرتبات البحرية البريطانية، وكان جده وجدته لأبيه خادمين. ولكن أباه كان يحب حياة الرفاهية بطبيعته كما كان أيضا مسرفا ولا يستطيع أن يدبر أحواله المادية تدبيرا حكيما، ومما زاد الطين بلة أن زوجته هي الأخرى كانت لديها نفس الصفات.
وأدى إسراف ديكنز الأب إلى كل الشقاء الذي قاساه ديكنز الابن في صغره، ولكن كما يقول المثل "رب ضارة نافعة" فان المأساة التي عاشها تشارلز في صغره هي التي خلقت منه ذاك العبقري الذي خلده التاريخ.
بدأت ميول تشارلز ديكنز الأدبية مبكراً في سن السابعة حيث كان يقرأ القصص بنهم كبير. كان يختفي في غرفة صغيرة في الدور العلوي بمنزله ويقرأ قصص "دون كيشوت" و"روبنسون كروزو" و"توم جونز" و"ألف ليلة وليلة" وغيرها. وكانت هذه القصص بمثابة الوقود والإلهام الذي جعل منه كاتبا عبقريا.
وبدأت الأمور تسوء شيئا فشيئا في منزل آل ديكنز، وبدأت الديون تتراكم عليهم لدرجة أن أثاث الأسرة بدأ يباع القطعة تلو الأخرى حتى جاء الدور على كتب تشارلز وقصصه أيضاً مما جعله يشعر بتعاسة ما بعدها تعاسة، ولكن القدر كان يخفي له شيئا أخر أشد مرارة وقسوة.
بعد يومين من ذكرى ميلاده الثانية عشرة أرسله أبوه ليعمل في مصنع للطلاء الأسود، وكان لهذا الخطوة تأثير نفسي سيئ على تشارلز لم يتلاش من ذاكرته بمرور السنين ولا حتى بالنجاح الذي حققه بعد ذلك.
وفي سن الخامسة عشرة ترك تشارلز المدرسة نهائياً ليبدأ العمل صبيا في مكتب أحد المحامين لكن الصبي الطموح لم يعجبه هذا العمل فبدأ يتطلع إلى عمل آخر، ويبدو أن القدر كان في عونه، ففي ذلك الوقت كان والده قد تعلم الاختزال واستطاع أن يحصل على وظيفة مندوب برلماني لصحيفة تسمى "بريتش برس" واتخذ تشارلز من نجاح أبيه في عمله الجديد مثالاً يحتذى، فأقبل على تعلم الاختزال أيضاً واستطاع أن يجيد هذا الفن وأن يترك عمله في مكتب المحامي ليصبح كاتب اختزال محترف.
ولكنه كان لا يزال أصغر من أن يصبح مندوبا برلمانيا لصحيفة من الصحف كأبيه، فذهب ليعمل في إحدى المحاكم وخلال عمله هذا اكتسب معرفة بخبايا القانون وقواعده مما ساعده على إتقان سرد الجوانب القانونية في قصصه.
لم يمر عام وإلا كان الفتى الصغير بدأ يحقق نجاحا آخر ليصبح أصغر مندوب صحفي في برلمان انكلترا، وقام الفتى تشارلز بتسجيل المناقشات التي دارت في مجلس العموم حول وثيقة الإصلاح التي صدرت في عام 1832.
وفي عام 1836 ظهر كتابه الأول بعنوان "صور وصفية" تحت توقيع مستعار "بوز"، واستقبل الكتاب بحماس وبدأ اسمه يلمع في الأوساط الأدبية مما دعا أحد الناشرين إلى أن يعرض عليه كتابة كلام مجموعة من الرسوم الكوميدية المسلسلة التي تمثل شخصيات رياضية، وكان ديكنز على وشك الزواج فلم يستطع رفض هذا العمل الذي كان يبدو تافها بالنسبة له ومع ذلك فقد فتح هذا العمل باب الشهرة على مصراعيه أمام ديكنز فهو الذي جعل الكاتب المبتدئ يفكر في شخصية مبتكرة وهي شخصية "بيكوك"، تلك الشخصية الروائية التي حازت إعجاب كل القراء في مختلف أنحاء بريطانيا وجعلت من الفتى الذي لم يتعد عمره الرابعة والعشرين من أشهر شخصيات بريطانيا أنذاك.

كان تشارلز ديكنز رجلا غريب الاطوار فقد كان منه التصرفات الغريبة والمريبة الكثير اذ كان يداوم على مغادرة منزله في منتصف الليل ويسير في شوارع لندن قاطعاً مسافات طويلة بلا سبب مقنع لتلك النزهات الليلية.
وكان يتثآب بفم مفتوح وهو ما يعتبر من الموبقات في المجتمع البريطاني المحافظ ويذكر انه في إحدى الحفلات التي اقيمت لأجل تكريمه في الولايات المتحدة قام بإخراج مشط وبدأ يمشط شعر ذقنه وشاربيه أمام اعين الحاضرين.
وبرغم من ذلك كانت شهرته تزداد مع كل كتاب جديد له وكان قراؤه ينظرون إليه على أنه ضمير الأمة الذي يتكلم باسم الملايين، وكان ديكنز غزير الإنتاج فقد كانت قصصه تخرج الواحدة بعد الأخرى، وفي نفس الوقت يقوم بتحرير بعض المجلات وإخراج المسرحيات، ويقوم أيضا برحلات ثقافية إلى أوروبا وأميركا حيث يلقي المحاضرات.
لم تكن حياة تشارلز ديكنز العاطفية ناجحة كما هي حياتة الأدبية، فقد كانت اول تجربة حب مخيبة للامال عندما احب وهو في سن الثامنة عشر ولكن حبيبته هجرته بعدما وعدته بالزواج ليتزوج بلا حب من سيدة بريطانية اسمها كاثرين هوغارت وينجب منها تسعة اطفال في خلال خمسة عشر عاماً.
ولكنه انفصل عن كاثرين بعد أن وقع في حب ممثلة شابة هي نيللي تيرنان ولكن تسرب رسائل الحب المتبادلة بينهما إلى الجمهور جعله يصاب بالإحباط وفقدان الثقة في من حوله.
وقد يبدو العطش العاطفي في حياة تشارلز ديكنز جلياً في قوله "بعض الرجال يحبون المال وبعضهم يحبون المجد، أما النساء فهن عند الرجال أغلى من المجد وأثمن من المال".
وفي السادسة والأربعين من عمره قام بقراءة أعماله أو فقرات منها أمام الجمهور في بريطانيا وأميركا. وكان تأثير هذه القراءات على الجمهور أشبه بالتنويم المغناطيسي بينما كان تأثيرها على ديكنز نفسه إثارة نفسية مبرحة نتيجة لاندماجه الغريب بكل مشاعره في أدوار شخصيات رواياته المختلفة ونتيجة أيضا للتفاعل المذهل الذي كان يحدث بينه وبين جمهوره وهو على منصة القاعة وبين الحشد الغفير الذي يشاهده.

وأثرت قراءات ديكنز أمام الجمهور على صحته تأثيرا سيئا فاعتكف في منزله وأخذ يكتب قصة "سيرادوين درود" وفي 8 يونيو/حزيران 1870 استمر في الكتابة طوال اليوم في الكوخ الصغير الملحق بمنزله وعاد إلى المنزل في المساء حيث قام بكتابة بعض الخطابات
وأثناء تناوله طعام العشاء، تبينت أخت زوجته –التي كانت معه– أنه مريض ويهلوس، فقد قال فجأة أنه سيذهب إلى لندن فورا.. ولكن عندما حاول القيام من مقعده سقط مغشيا عليه.
مات تشارلز ديكنز وهو لم يتجاوز الثامنة والخمسين من عمره تاركاً كنزاً ادبياً رائعاً ليس افضله "قصة مدينتين" و"الآمال الكبيرة". اوزجان يشار