دير المحارب وقصر ملايين السنين

قراءة جديدة في أوراق قديمة

في البر الغربي للأقصر يقع هذا الدير الذي يعد من أشهر أديرة الأقصر، دير المحارب، ويقع خلف مدينة هابو التي تضم المعبد الجنائزي لفرعون مصر رمسيس الثالث من الأسرة العشرين، والذي سماه الفراعنة قصر ملايين السنين لملك مصر العليا والسفلى وسر ماعت مرى امون اي في رحاب امون، ويقع في الصحراء الغربية ويبعد عنها 2 كم غرباً ويصل بينهما مدق ممهد لسير السيارات.

يتكون الدير من مبنى الكنيسة القديمة وبعض القلالي الملحقة ومعظمها حديث، والجزء القديم من الكنيسة هو الهياكل الثلاثة القبلية، وفي مقابلهم حائط مستعرض يشكل منطقة الخورس أمام الهياكل. وفي الصحن عمودان مستديران ويرجع تاريخ هذا الجزء الى القرن الخامس عشر الميلادي. وقد أضيف هيكلان بحريان، والباب الحالي هو الباب الأصلي ويقع بهو المعمودية في الركن القبلي الغربي جنوب الكنيسة.

ويوجد داخل حوائط الكنيسة بعض الأحجار الفرعونية المأخوذة من المعابد الموجودة، كما يوجد أمام الكنيسة مدفن خاص بالآباء الكهنة الذين خدموا بالدير الأب متى باسيلي والاب بسادة والأب مرقص، كما يحوي رفات عالم الآثار باهور لبيب حبشي الذي أوصى بدفنه هناك.

والدير يخدم القرى المحيطة ويسكنه عدد قليل من الراهبات.

والمحارب الذي رسم الدير باسمه هو القديس الأمير تادرس او تاوضروس، وكان ابوه يدعى يوحنا من شطب، وهي بلدة بالصعيد تقع قبلي اسيوط، يقال لها شطب الحمراء تقع على كيمان عالية، وتشتهر بزراعة القمح اليوسفي. وقد سيق يوحنا اسيرا الى انطاكيه أيام الاضطهاد الروماني حيث استقر به المقام وتزوج ابنة امير أنطاكية وأنجب منها ابنه تاوضروس.

قيل انها كانت مريضة بمرض أعجز الأطباء فعالجها يوحنا وشفيت من الداء، ولكنها أحبت المصري يوحنا وتزوجته.

وعندما قامت الأم بتعليم ابنها ديانتها الوثنية غضب الأب ومنعها لكن بسطوتها استطاعت طرده من انطاكية، واحتفظت بابنها الذي كبر وتعلم العلم والحكمة وهداه الله الى أحد الأساقفة الذي قام بتعميده مسيحيا مما أغضب أمه غضبا شديدا.

وبدأ تاوضروس يسأل عن ابيه، وعلم من أحد الخدم بأن أمه طردته لأنه كان مسيحيا.

وانخرط تاوضروس في سلك الجندية حتى أصبح قائدا لأحد جيوش الملك واصطحبه الملك في حملة لمحاربة الفرس.

وتقول الأسطورة إنه كان في مدينة اوخيوطوس ثعبان هائل كان يعبده أهل هذه المدينة، ويقدمون له كل عام ضحية بشرية ليأكلها، وكان في المدينة ارملة مسيحية لها ابنان أخذ الناس ابنيها لتقديمهما قربانا للثعبان في الوقت الذي كان فيه تاوضروس هناك، فتوسلت له المرأة لإنقاذ ابنيها وترجل عن حصانه، وبعد أن صلى اتجه ناحية الثعبان الذي كان طوله اثني عشر قدما، وكان أهل المدينة يرقبونه خلف الأسوار فقذف الثعبان برمحه فقتله وأنقذ الصبيان.

وبعد ذلك سافر إلى مصر العليا ليبحث عن والده فوجده بعد أن تعرف عليه ورافقه حتى مات، ثم عاد الى انطاكيه التي كان يحكمها ملك تفنن في تعذيب المسيحيين فواجهه واعترف بإيمانه بالمسيحية، وكان كهنة الأوثان بالمدينة قد اتهموه بقتل الثعبان إلههم، فأمر الملك بتعذيبه والتنكيل به ثم أمر بحرقه وقطع رقبته.

وقد قامت سيدة مسيحية قيل إنها أمه بإخفاء جسده حتى انتهى عصر الاضطهاد فأقيمت الكنائس والأديرة تخليدا لاسمه ومن ضمنها دير المحارب بالأقصر.

ونرجع تسمية مدينة هابو الى المهندس امحوتب بن حابو باني معبد رمسيس الثالث والبناء المشهور وارتبطت هابو بالموت في التراث الشعبي وتلطم النسوة الخدود وتصرخ خلف النعش هابو التي اختصرت الى بو للتخفيف ويقال للميت غرب لان الموتى يدفنون غرب النيل.

هنا عناق أبدي ببن الموت والحياة وتزاوج بين المعابد الفرعونية ومقابرها التي كانت الملاذ الآمن للهاربين من الاضطهاد الروماني حيث نبتت الرهبنة الفردية والجماعية وحيث احتضت مدينة الموتى صفاء الصوفية الإسلامية ممثلة في ال الطيب وغيرهم حيث ترتاح النفوس المؤمنة في رحاب العارفين والعابدين والقديسين في مدرسة الحب الالهي.

عبدالمنعـم عبدالعظيـم ـ مدير مركز دراسات تراث الصعيد

Monemazim@yahoo.com