دونالد ترامب موجة العنصرية السائبة

في وسط حشود من البشر في احدى الولايات الاميركية يطل دونالد ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة فلا يترك قضية تخص الاميركان الا وافتى فيها، وخلال ذلك تجده متقمصا دور الخطيب المفوّه فتارة يقلد اوباما في اسلوب الخطابة واخرى ماكين وثالثة الرئيس الاسبق ريغان وهو بذلك يصنع لنفسه تلك التوليفة التي تدفع جهوره للهتاف الحماسي له والالتفاف حوله.

يقدم ترامب نمطا من الحشد الانتخابي يتزامن مع مرحلة فاصلة من تاريخ العالم، وان هي الا امتداد لموجة التصعيد العنصري والعرقي تلك التي رافقت احداث الحادي عشر من سبتمبر ولهذا يبدو ضغط المشاكل الكبرى التي تعصف بالكوكب الارضي والتحديات الخطيرة المقبلة وتصغيرها وصرف الانظار عنها وجعل معضلة العالم الكبرى مقتصرة على قضية مسلمين في مواجهة العالم، هي احدى التكتيكات التي تداعب النزعة الانفعالية الغضبية لجمهور لا يهمه اي شيء سوى ان يحافظ على مكتسباته الشخصية والتعيبر عن نزعات انانية واعية حينا وغير واعية احيانا اخرى.

يتناسى هذا الخطاب الشعبوي وقائع بالغة الاهمية تسود العالم اليوم، المواجهة مع روسيا التي تمضي قدما وبلا ادنى تردد نحو تجهيز واعداد السلاح النووي واشد الاسلحة فتكا ودمارا على مر التاريخ والدلائل التي تصدر رسميا من البنك الدولي وتشير الى ان التنين الصيني سيتحكم في المساحة الكبرى من اقتصاديات العالم في غضون اقل من ربع قرن حيث ستصل نسبة سيطرته الى حوالي 50% من اقتصاديات العالم، الاعتلال المناخي الكارثي والاجراءات الترقيعية التي افضت اليها قمة باريس للمناخ، العنصرية المتفشية ضد السود هذه كلها وغيرها كثير يهمّشها ترامب بحذاقة ويجهز على الجالية المسلمة وعلى المسلمين عموما دفعة واحدة لانه يعلم ان التيار الشعبوي المرتبط بالحزب الجمهوري هو تيار مهم ومؤثر في مسار اي مرشح رئاسي سابق او جديدة ولا يلهب حماسته الا معاداة الاخر بل ان هنالك من يحلل تركيبة الخطاب السائد لدى هذه الشريحة والذي يختصر في مقولة: ان لم يوجد العدو فعلينا ايجاده.

على وقع الاطروحات التي لم يتراجع عنها ترامب ولا وجدت ادانة في شكل قانون اجرائي ضد العنصرية ضد المسلمين من طرف الحكومة الاميركية، يجد الجمهور الاميركي العريض نفسه وهو في خانق ضيق من علاماته صراع اديان وصراع حضارات، فترامب يؤكد لجمهوره استعداده للمجازفة بمصالحه الضخمة المنتشرة في اكثر من بلد عربي وما تدره من اموال طائلة بل ربما يبلغ به الاستخفاف انه ضامن سلفا ان اجراءا عقابيا عربيا غير وارد اصلا.

لعل هذا المثال والنموذج الذي نحن بصدده انما يختصر واقعا معولما امتد من فرنسا مع صعود تيار الجبهة الوطنية الاشد يمينية وتطرفا وصولا الى ترامب، وهؤلاء ليس لهم اذن صاغية للتحذيرات المتصاعدة بأن صعود هذه التيارات والشخصيات اليمينية والاشد تطرفا سيجلب معه كوارث اجتماعية وتصدعات اخطر على جميع المستويات، فأجندة اقصى اليمين لا يمكنها في اي حال من الاحوال القبول بانصاف الحلول ولا بأيجاد ائتلافات وتراض مع اليسار مثلا او مع الاحزاب الديموقراطية المستقلة بل انه يعدها احزابا عاجزة واحيانا فاشلة عن المعضلات الاساسية التي تواجه المجتمع، ولأن تلك المعضلات واضح جدا انها تحتاج الى تكاتف اجتماعي على جميع المستويات لغرض تقليص اضرارها الى اقل قدر ممكن، لهذا كله تلجأ احزاب اقصى اليمين الى اقصر الطرق واقربها للوصول الى الناخب والى صناديق الاقتراع، يكمن ذلك فيما يسميه الباحث الفرنسي تيري ميسان "الايهام بتحقيق الاهداف دفعة واحدة" وهو ايهام في شكل امنيات تتغاضى حقيقة الهياكل الأجتماعية المتنوعة السائدة فلا يرى اليمين سوى اليمين، والمجتمع الذي يحلم به جمهور اليمين يراد له ان يتصدى للمهاجرين اولا وقبل كل شيء متناسيا ان فيهم طاقة انتاج وديمومة لاجيال مقبلة لاسيما من خلال النماذج التي تشكل الاغلبية من الشرائح الاجتماعية المندمجة في المجتمعات الغربية والتي وصلت الى مواقع رفيعة في سوق العمل لكن يجري التعتيم عليها بشكل مستمر.

اقصى اليمين الذي لا يضيف جديدا سوى استكمال ما بدأه السالفون من عتاة العنصريين والفاشيين لاشك انه يثير قلقا كبيرا في البلدان التي يظهر فيها لاسيما وانه ينهج نهجا استقطابيا قائما على الذعر الذي يصطنعه وتهيئ له وسائل الاعلام المرتبطة بحملات مدفوعة الثمن خاصة فيما عرف بالاسلامفوبيا والتي تريد ان تجعل كل مسلم متهم حتى يثبت العكس او كما قال ترامب ان تخصص للمسلمين قاعدة بيانات خاصة بهم وبطاقات تعريف تميزهم ولم يبق الا ان يضع في ايديهم اساور مراقبة المطلوبين للعدالة لرصد حركتهم.

وبعد هذا سيبحث باحثون ومراقبون عن اجابات تتعلق بـ"الامة الاميركية" بعد مواثيق الحريات واحترام الكرامة الانسانية والمساواة بين الاميركان وميثاق الحقوق المدنية واذا بهذا المجتمع وشرائح واسعه منه قادرة على تسويق اشد النماذج عنصرية وفاشية واحتضانها والترويج لها حتى ولو الحقت افدح الاضرار بالسلم الاهلي والاستقرار على مستوى العالم ولعل ترامب مثال صارخ على تلك الموجة التي يركبها هو ومناصريه والتي لا تنتمي لا الى بيئة ولا الى عالم يبحث عن حلول لمعضلات كبرى تبدو معها ما يطرحه ترامب سذاجة لا يُحسد عليها.