دولة ياسين الحافظ

بقلم: هشام القروي

يروي المثقف السوري ياسين الحافظ في كتابه "الهزيمة والايديولوجيا المهزومة" أنه في بحر عامي 1966/67 قضى حوالي سنة في باريس. وقد كتب على إثر ذلك فقرات تحت عنوان "لقاء حميم مع الغرب"، لا يمكن أن تنسى. وبالرغم من مرور سنوات على صدور هذا الكتاب (1979)، فإن من يعود إليه اليوم، لا يجد أن الكثير تغير عما كان الحافظ يستشعره ويراه في الواقع العربي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وليس مهما هنا أن نحدد التيار السياسي الذي كان ينتمي اليه الحافظ، فالواقع أنك مهما اختلفت معه سياسيا، فإنك ستصغي الى كلماته بخصوص لقائه مع الغرب ومقارنته مع العالم العربي، كما لو أنها نبضات قلبك. والحافظ – لمن لا يعرفه – ليس ساذجا ولا مبهورا على طريقة كتاب القرن التاسع عشر الذين زاروا الغرب وراحوا يتحدثون عن "معجزاته" المعاصرة بإعجاب خال من النقد. كلا، فالحافظ يميز بين "غرب الفتوح الثقافية والعلمية والمجتمعية والاقتصادية التي صنعت العالم المعاصر" و"غرب الاغتصاب الكولونيالي ثم الهيمنة الامبريالية". وهذا ما يعطي كلامه وزنا خاصا. فهو يقول:
"في الغرب، كنت اذهل عندما أرى قوة الفرد وجرأته وثقته بنفسه أو تحرره الكلي من مختلف أشكال الخوف: هناك (في الغرب) الفرد ديك، هنا (في العالم العربي) الفرد دودة. هناك حبل سرة الانسان موصولة بالالوهة، وهنا حبله مقطوع بتاتا، بما هو عبد. هناك العنفوان، وهنا الوداعة. هناك بروميثيوسية طاغية، وهنا القناعة وراحة البال. هناك الشك والتساؤل والنقد، وهنا اليقين والتلقين والامتثال. وعندما كنت أتساءل من أين هذه القوة التي للفرد الغربي، كان الجواب يقفز من خلال ملاحظة بسيطة للعيان، دونما حاجة لبحث وراء الأسباب التاريخية والايديولوجية والمجتمعية والسياسية: لأن بلاده كفت عن أن تكون بلاد الخوف. في ديارنا العربية، منذ سنواته الأولى، وربما منذ شهوره الأولى، تتعاور الفرد أشكال لا تحصى من الخوف: خوف من العائلة، من المعتقد الايماني، من التقليد، من المجتمع، من المدرسة، من الغد، واخيرا من السلطة الاستبدادية الشرقية. في بلاد الخوف، سرير "بروكوست" ينتظر كل فرد، يتمدد فوقه ولكن لتقطع خصيتاه فيغدو ضحية وديعة مذعنة، حياتها فرار وموتها خلاص."
هذه هي "دولة الخوف" التي أبدع ياسين الحافظ في وصفها وتحليلها. لا شك أن لدى قرائي العرب فكرة واضحة عنها. وأما عن العوامل التي مهدت لاسقاط الخوف في الغرب، فياسين الحافظ يعرف اطارها بأنه سياسي ويسميه بالديمقراطية. فيقول: "هذه الديمقراطية التي تحرر الانسان من الخوف وتنمي كرامته الانسانية وتشحذ قيمه الأخلاقية، فرضت نفسها علي من جديد، من خلال هذا الاحتكاك مع الغرب."
ومن ثم، يلتفت ياسين الحافظ الى النخب العربية، فيرى أنها المسؤولة عن واقع الخوف. يقول: "أخذت أتذكر كيف أن النخب السياسية العربية لم تلبث، بعد الاستقلال، أن خانت قضية الديمقراطية، وبررت هذه الخيانة تارة باسم (الاشتراكية) وتارة أخرى باسم وحدة الأمة أو ضرورات المعركة مع الامبريالية واسرائيل". ويذهب كاتبنا الى أبعد من ذلك، حيث يحدد "الحركة التقدمية العربية" – وهو منها واليها- "بفرعيها القومي العربي والماركسي العربي المسفيت" كمسؤولة عن "وأد الديمقراطية في المشرق العربي".
وإذا كان هذا صحيحا، كما نرى، فهو لا يعفي أبدا لا الأنظمة ولا الأشخاص الذين كانوا في السلطة، بقطع النظر عن انتماءاتهم وأحزابهم. ففي رأيي أن الذين وأدوا الديمقراطية في العالم العربي كله – وليس فقط في مشرقه – هم جل الذين ساهموا الى هذا الحد أو ذاك في السلطة، وجعلوها سلطة السيف المسلط على الرقاب في دول الخوف. هشام القروي