دولة مواطنين أم دولة مؤمنين: المجلس التأسيسي يرسم مستقبل تونس

الخطاب السلفي يقوّض التجربة الديمقراطية في تونس

تونس - يجمع الفاعلون السياسيون التونسيون من أحزاب سياسية ومنظمات وشخصيات على أن أفضل طريقة لتأمين عملية انتقال ديمقراطي حقيقية تقطع مع الماضي الاستبدادي وتؤسس لملامح دولة مدنية ومجتمع ديمقراطي هي المجلس التأسيسي الذي ستدور انتخاباته يوم 24 تشرين أول/أكتوبر القادم وفق ما أعلنه الوزير الأول (رئيس الوزراء) الباجي قائد السبسي.

وبرأي الأوساط السياسية التونسية فإن الاستحقاق الانتخابي ليوم 24 أكتوبر سيمثل مفصلا في تاريخ تونس الحديثة باعتباره أول عملية انتخابية ديمقراطية سيعيشها التونسيون بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية، كما أنه سيضع دستورا جديدا للبلاد سيحدد ملامح علاقة الدولة بالمجتمع.

وقال غازي الغرايري أستاذ القانون الدستوري وعضو الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي إن اختيار مجلس وطني تأسيسي منتخب هو أفضل خيار ديمقراطي لصياغة دستور البلاد وتحديد ملامح مستقبل تونس.

وبرأي المراقبين فإن من أهم مهام المجلس التأسيسي التأكيد في نص الدستور على الدولة المدنية وتحييد الدين عن الحياة السياسية وعدم الزج به في الصراعات السياسية.

ويرى مؤسس الحركة الإصلاحية التونسية عمر صحابو أنه لا بد من الفصل بين الدين والدولة فصلا مطلقا مضيفا قوله "أنا أومن وأناضل من أجل حياد الدولة بالنسبة للمعتقد، وبالنسبة إلى علاقة المواطن بالشأن الروحاني والغيبي".

وبخصوص علاقة الدولة بالمجتمع قال عمر صحابو" أنا من المناضلين والمدافعين عن الدولة المدنية أي دولة مواطنين وليست دولة مؤمنين.

وبعد أربعة أشهر من ثورة 14 جانفي أصبح التونسيون أكثر اقتناعا بالقطع نهائيا مع الماضي السياسي وهم يرون أن دستور 1959 الذي تم استصداره غداة استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي تعرض لعمليات تشويه خطيرة مما جعله غير صالح لمسايرة أهداف الثورة.

ويقول صحابو "أنا مع دستور جديد، أفضّل الطريقة التونسية التي تسعى إلى بناء جمهورية جديدة على أسس جديدة على الطريقة المصرية التي اكتفت بترميم ما هو موجود والإبقاء على الهيكل الحالي للجمهورية المصرية الذي يقوم على عمود فقري اسمه المؤسسة العسكرية.

ويرى المراقبين للشأن التونسي أن الخطاب السياسي الذي تعتمده الأحزاب الوطنية الديمقراطية يؤكد على ضرورة الفصل بين الدولة والدين وتحييد الفضاءات الدينية عن العمل السياسي، ورغم أن الصراع غير معلن، إلا انه يبدو للمراقبين صراع تخوضه القوى الديمقراطية ضد الخطاب السياسي الذي تنتهجه حركة النهضة وهو خطاب ديني سلفي يهدف إلى استقطاب أوسع ما يمكن من الفئات الاجتماعية.

ورغم تأكيدها على أنها حركة سياسية مدنية وفق الملف الذي تقدمت به لوزارة الداخلية وحصلت على أساسه على الترخيص القانوني فإن حركة النهضة شرعت في حملات ظاهرها سياسي وباطنها ديني يوظف المشاعر الدينية لدى التونسيين لكسب الأنصار.

وتتوجس الأوساط السياسية التونسية اليوم خيفة من ازدواجية خطاب حركة النهضة مما دعا مؤسس الحزب الديمقراطي التقدمي أحمد نجيب الشابي إلى التحذير من أن حركة النهضة "تسعى للهيمنة على مؤسسات الدولة".

ورغم أن الشابي كان قد تحالف مع حركة النهضة خلال سنوات حكم بن علي فإنه يبدو اليوم معرضا لخطابها وممارساتها ما انفك يؤكد على تحييد المساجد عن الصراع السياسي ودعا إلى أن ينص على هذا المبدإ في الدستور الجديد وأن تتكفل القوانين بضمان تنفيذه.

ويتطلع التونسيون إلى أن يمثل المجلس التأسيسي أولى خطوات الانتقال الديمقراطي الحقيقي وأن يستصدر دستورا حداثيا يستجيب لإنتظارات المواطن وتطلعه إلى دولة مواطنة مدنية ومجتمع تعددي ديمقراطي.

ولضمان أوسع حظوظ النجاح مختلف القوى الوطنية الديمقراطية في مشاورات سياسية من أجل تحالفات تخوض الاستحقاق الانتخابي بعيدا عن حالة التشرذم السياسي التي يعكسها أكثر من 81 حزبا.

لكن المتابعين للشأن التونسي يتوقعون أن يشهد المجلس التأسيسي خلافات حادة بين ثلاثة تيارات على الأقل،أولها التيار الوطني الذي يؤمن بالمشروع الوطني على أساس دولة مدنية علمانية محايدة، ثانيها التيار القومي بشقيه الوحدوي والبعثي الذي يؤمن بالمشروع العروبي على الطريقة الناصرية، وثالثها حركة النهضة وبعض الأحزاب الناشئة القريبة منها والتي تتمسك بالطابع الديني للدولة.

ويقول المراقبون أن ما سيفضي إليه الصراع بين هذه التيارات الثلاث سيحسم لا فقط نص الدستور وعلاقة الدولة بالدين وإنما ستحسم أيضا عملية تشكيل الحكومة ومن ثمة الخيارات التنموية والسياسية للبلاد.