دولة مصطنعة وهجرات مصطنعة: روس وفلاشا وأشكناز وسفارديم ويهود وأشباه يهود

بقلم: ماجد كيالي

سلطت موافقة حكومة شارون على استيعاب الألوف من اليهود "الفلاشا"، المهاجرين من موطنهم في أثيوبيا إلى إسرائيل، الأضواء من جديد على أهمية الهجرة اليهودية في استمرار ونجاح المشروع الصهيوني، لجهة إمداد إسرائيل بالقوى البشرية والحفاظ على هويتها كدولة يهودية وتأكيد مركزيتها باعتبارها "وطنا قوميا" لليهود، بحسب المزاعم الصهيونية.
وكانت إسرائيل استقبلت حوالي مليون يهودي قدموا في عقد التسعينيات، من دول الاتحاد السوفيتي (السابق)، وهي مازالت تبذل جهودا كبيرة من أجل حثّ مليون يهودي آخر للهجرة إليها، للحفاظ على ما تسميه الطابع اليهودي للدولة وللاستفادة من كفاءاتهم العلمية وللتغلب على "الخطر الديمغرافي" الذي تدعي أنه يتهددها من قبل الفلسطينيين؛ بعد أن بات هؤلاء يشكلون 19 بالمئة من مواطني إسرائيل، في حين تبلغ نسبتهم في فلسطين المحتلة عام 1948 و1967 حوالي 45 بالمئة بالنسبة لليهود في هذه المناطق.
وتخشى إسرائيل خسارتها "الحرب" الديمغرافية، بسبب ارتفاع معدلات الزيادة الطبيعية بين الفلسطينيين وانخفاضها لدى يهود إسرائيل وأيضا بسبب تراجع معدلات الهجرة إليها، على خلفية الانتفاضة، وتزايد التزاوج المختلط في المجتمعات اليهودية في الدول الغربية؛ وكان مؤتمر "هرتسليا" الذي عقد أواخر العام الماضي اعتبر العامل الديمغرافي جزءا من الأمن القومي لإسرائيل.
إضافة إلى ذلك فإن إسرائيل تواجه تحديا كبيرا يتمثل بانحسار الهجرة اليهودية، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية، بفعل مقاومة الفلسطينيين وانتفاضتهم المستمرة منذ أكثر من سنتين.
وتؤكد الإحصاءات تراجع الهجرة إلى إسرائيل حيث قدم إليها عام 2002 حوالي 33 ألفاً و500 يهودي، مقابل 44 ألفا في العام 2001، وحوالي 60 ألف يهودي في العام 2000. وكانت ذروة الهجرة اليهودية تمثلت بقدوم200 ألف شخص في العام 1990، و 176 ألفاً في العام 1991، ثم تأرجح العدد حول 60 ألفاً في الأعوام 1997 – 2000.
وما ينبغي لفت الانتباه إليه، أيضا، هو واقع الهجرة المعاكسة (النزوح) من إسرائيل. ففي عام 2001 مثلا وصل إلى إسرائيل 44633 شخصا وغادرها 17679 شخصا. وفي عام 2000 قدم إلى إسرائيل 61542 شخصا وغادرها 13056 شخصا. وفي عام 99 قدم إلى إسرائيل 78400 شخصا وغادرها 10262 شخصا. أما التقديرات لعام 2002 فترجّح انه مقابل كل اثنين قادمين سيغادر واحد. وبشكل عام فإنه من بين مليون و 70 الف شخص هاجر لإسرائيل في سنوات 1989 – 2001، غادرها أكثر من 90 ألف. (معاريف 13/1)
وطبيعي أن ما يصعب مسألة الهجرة اليهودية، هو اعتبار إسرائيل بلدا غير مستقر، فهي المكان الوحيد الذي يخشى فيه اليهود على حياتهم، بسبب السياسات العدوانية والعنصرية الإسرائيلية، أيضا ثمة نضوب في التجمعات اليهودية في العالم، فمثلا لم تعد روسيا بلدا مصدرا للهجرة بشكل كبير بالقياس للسابق، وفرنسا التي يقطن فيها حوالي نصف مليون يهودي تعد بلدا جاذبا للهجرة، أما الولايات المتحدة الأمريكية حيث أكبر تجمع لليهود في العالم فهي تنافس إسرائيل على استقبال اليهود المهاجرين، إذ يقطن فيها حوالي 6 مليون يهودي، ضمنهم 3 ملايين في مدينة نيويورك لوحدها، يفضلونها على "أرض الميعاد" المزعومة.
عموما فإن استعراض حجم الهجرة اليهودية الوافدة إلى فلسطين بعد قيام الدولة الإسرائيلية، يعطينا فكرة عن المدى الحاسم لهذه الهجرة وأثرها البالغ في تمكين هذه الدولة المصطنعة من البقاء والنمو أيضا(هذا إذا تجاوزنا عدد اليهود المهاجرين قبل ذلك). إذ بلغ مجموع المهاجرين اليهود إلى فلسطين، في الأعوام 1948 – 1984 حوالي مليون و750 الف شخص. ومعنى ذلك أن أكثر من 50 بالمئة من مجموع اليهود الإسرائيليين الذين بلغ تعدادهم 3.343.800 شخصا في العام 1984 كانوا من المهاجرين بعد العام 1947؛ منهم 687 ألف مهاجر في الأعوام الثلاث الأولى لقيام إسرائيل وهم الذين أسهموا في مضاعفة عدد اليهود فيها (آنذاك). وقد بلغ عدد هؤلاء المهاجرين حتى العام 1993 حوالي مليونان و300 الف شخصا، في حين أنه بلغ حوالي ثلاثة ملايين في العام 2002؛ مع العلم أن مجمل عدد اليهود في فلسطين قبل إعلان قيام إسرائيل كان يقارب (650) ألف شخص فقط (حوالي 30 % من مجموع السكان)90% منهم من اليهود الغربيين المهاجرين.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن إسرائيل تتعامل مع هجرة اليهود إليها، باعتبارها عودة من المنفى! بحسب المصطلحات الصهيونية، ولذلك فهي منحت هجرة اليهود إطارا شرعيا بإصدارها "قانون العودة"، الذي يمكّن أي يهودي في أصقاع الأرض من الهجرة إليها واكتساب جنسيتها مع كل الامتيازات المتعلقة بذلك.
ومع ذلك فإن قضية الهجرة تثير إشكاليات عديدة بين التيارات الإسرائيلية العلمانية والدينية، في النقاش على تعريف: "من هو اليهودي"، فالتيار العلماني يجرد اليهودية من معناها الطقوسي والديني وينظر إليها بمعايير دنيوية على خلفية اعتقاده أن اليهود يشكلون أمة بغض النظر عن مدى تدينهم، ولذلك فهو يتسامح في معايير الهجرة، في حين أن التيار الديني (الأرثوذكسي) يرفض ذلك ويصر على المعايير الدينية للهوية اليهودية، بما في ذلك طقوس التهود والأصول العائلية والأحوال المدنية. وحتى بين التيارات الدينية ثمة خلافات على إجراءات التهود وعلى تعريف اليهودي حيث يفرض التيار الأرثوذكسي معاييره الصارمة، نظرا لسيطرته في إسرائيل، في حين يعارض التيارين الآخرين في اليهودية: الإصلاحي والمحافظ هذا الاحتكار علما أن لهما أغلبية في الخارج.
وفي هذا الإطار مثلا، حذر وزير الداخلية الإسرائيلي، إيلي يشاي، من أن إسرائيل تفقد غالبتها اليهودية، لأنها أصبحت مأوى لجميع اللاجئين من العالم، وخصوصا من العالم الثالث، حيث أن واحد من كل أربعة إسرائيليين ليس يهودياً، وما يزيد على 33 ألفا من الأزواج، من القادمين الجدد، كلا الزوجين غير يهود، وفي أوساط ما يزيد على 86 ألفا من الأزواج الأخرى، واحد من الزوجين غير يهودي. ودعا الوزير يشاي (ينتمي للتيار اليهودي الأرثوذكسي) إلى إجراء نقاش في الانقلاب الديمغرافي الذي تشهده إسرائيل، قبل أن يصبح الأمر متأخراً، وإحداث تغيير جوهري في قانون العودة ومنح المواطنة. لاسيما أن عشرات الألوف من العمال الأجانب يحصلون على المواطنة بزواجهم من إسرائيليات.
ويؤكد يارون لندن بأن قرابة ثلثي المهاجرين الجدد في العام 2002 ليسوا يهودا ويشرح ذلك بطريقة تهكمية بقوله: "حق هؤلاء في الهجرة ينبع من أن رجال الوكالة اليهودية وجدوا في عروقهم "دم يهودي". إما أباهم أو واحد من بين أربعة أجدادهم وجداتهم هو يهودي، أي من أم يهودية. سلسلة النسب للمهاجر تبدأ بالجد الذي أمه يهودية وأبوه خوري يوغوسلافي وتزوج من امرأة شيشانية ـ مسلمة وابنه الملحد يتزوج من لوثرية وينجب المستحق للهجرة "قانون العودة". المستحقون للهجرة ينقلون حقهم إلى أزواجهم وأبنائهم، الذين يمكن أن يكونوا مسيحيين متزمتين أو مسلمين متعصبين أو ألا يكون لهم أي دين على الإطلاق.
وتفسير هذا التزييف لقانون العودة ان سياسة الهجرة يمليها الخوف من تبلور أغلبية عربية في إسرائيل..والجهود لإحداث التوازن مع التوالد العربي من خلال استيراد الروس والاوزباكيين والاوكرانيين والتتر واللتوانيين والايغوريين.
وإذا كانت هذه هي سياسة المجموعة السكانية اليهودية في إسرائيل، فيجدر بهم أن يدرسوا الأمر بميزان المنفعة..فبأي قدر هم أفضل، الأغيار الروس الذين توظف أجهزة الدولة وأموالها لجلبهم واستيعابهم، من الفلبينيين والكولومبيين والنيجيريين من النشطاء والشرفاء الذين يأتون إلى هنا على حسابهم؟ فاحتمالات هؤلاء للتمثل في لجة الأسباط الإسرائيلية، والانفصال عن ثقافة آبائهم وأجدادهم والعيش باللغة العبرية ودفع الضرائب والدفاع عن الوطن – متساوية." (يديعوت أحرونوت 15/1)
من كل ذلك يتبين أن الفلسطينيين لا يواجهون احتلالا تقليديا لأرضهم، فقط، أو استعمارا لوطنهم لأغراض اقتصادية أو سياسية، فحسب، وإنما هم يواجهون، إضافة إلى ما تقدم، مشروعا استعماريا صهيونيا، من طراز فريد وعلى غاية التعقيد، بحيث لا يمكن التعاطي معه بالمفاهيم التقليدية على غرار الاستعمار الاستيطاني في الجزائر أو جنوب أفريقيا (سابقا). فالاستعمار الاستيطاني في فلسطين هو استعمار إجلائي (لأهل الأرض الأصليين) وإحلالي (لليهود)، وهو يتميز بعنصريته المتمثلة بنفي الأخر أو تغييب وجوده وبأيدلوجيته (المفبركة) بمفاهيمها الدينية والعلمانية ـ القومية. والمعنى أن الصراع ضد الفلسطينيين من وجهة النظر الإسرائيلية هو صراع على الأرض وعلى السكان، وهو بالمصطلحات الصهيونية صراع ديمغرافي ـ وجودي على الهوية والوطن والمستقبل.