دولة ثنائية القومية أم دولة يهودية؟

بقلم: هيثم أبو الغزلان

أثارت تصريحات رئيس وزراء الكيان الصهيوني، آرييل شارون، التي طرحها في مؤتمر هرتسليا (18/12/2003)، عدداً من القضايا لعل أهمها التغيير الملحوظ في خطابه لجهة قبوله بمبدأ اتخاذ خطوات أحادية الجانب «للانفصال عن الفلسطينيين»، والهدف من ذلك ـ حسب شارون ـ هو تقليص ما أسماه الإرهاب الفلسطيني قدر الإمكان، ومنح «مواطني إسرائيل» الحد الأقصى من الأمن، المفتقد بطبيعة الحال جراء استمرار المقاومة والانتفاضة.
ولعل تصريحات السيد أحمد قريع «أبو علاء» رئيس وزراء السلطة الفلسطينية المهددة بإعلان دولة واحدة ثنائية القومية داخل حدود فلسطين التاريخية، تضم اليهود والفلسطينيين على حد سواء، تعبّر هي الأخرى عن مأزق آخر وصلت إليه السلطة، في عدم وجود أفق قريب لاستئناف عملية تسوية فلسطينية ـ صهيونية من جديد، خاصة وأن شروط شارون وحكومته تتمثل بوقف ما يسمونه الإرهاب الفلسطيني ومحاربته والقضاء عليه وتجفيف منابعه. وهذا كافٍ لجعل الهوة تتسع بين السلطة وحكومة الكيان الصهيوني، لسببين اثنين على الأقل، هما:
ـ تزايد نفوذ حركات المقاومة وعلى رأسها حماس والجهاد، وهذا ما تقر به استطلاعات الرأي وأقوال قادة الكيان الصهيوني.
ـ عدم وجود رغبة فلسطينية في إشعال حرب داخلية فلسطينية ـ فلسطينية، وخصوصاً أن المفاوضات قد جُرّبت وأثبتت عقمها ولم تأتِ بنتيجة تذكر.
ولذلك فإن المطالبة الصهيونية التي باتت تتكرر باستمرار في الآونة الأخيرة، وتتمثل بالمطالبة بتحقيق انفصال تام، تعبر عن حقيقة وجوهر المشروع الصهيوني وقادته. وفي المقابل يفجر الصهاينة قنابل موقوتة أخرى تعبّر عن خوفهم ورفضهم بل وتمني عدم وجود الفلسطيني أصلاً. وهذا ما يتضح من كلام المؤرخ والأستاذ الجامعي الصهيوني بني موريس الذي خطّأ بن غوريون على عدم قيامه بطرد الفلسطينيين كلهم من أراضيهم العام 1948 [هآرتس، 9/1/2004]. وتتركز الحملة الصهيونية اليوم على الإنسان الفلسطيني سواء أكان موجوداً في الأراضي المحتلة منذ العام 1948 أو 1967، بحيث يتم توصيفه على أنه الخطر الوجودي على الدولة الصهيونية وتهديد ديمغرافي وقنبلة موقوتة. فقد اعتبر 71% من الصهاينة في استطلاع للرأي أجري مؤخراً أن فلسطينيي 48 يشكلون تهديداً ديمغرافياً للدولة العبرية. لأنهم يشكلون 20% من سكان الكيان الصهيوني، وتقول دراسات سكانية صهيونية أن نسبتهم بعد 15 عاماً ستصل إلى 30%. هذا الخوف الصهيوني من الفلسطينيين دفع قادة الدولة العبرية للتفكير بالانفصال تارة، والشروع ببناء جدار الفصل العنصري تارة أخرى، وإعادة طرح الخيار الأردني مرة ثالثة، مع الإشارة إلى أن 75% من الصهاينة يؤيدون الانفصال عن الفلسطينيين سواء حصلت تسوية معهم أم لم تحصل.
أما كيف يرى الصهاينة هذا الانفصال، فحسب شارون فإنه سيشمل إعادة نشر لجيشه في خطوط أمنية جديدة، وإعادة تغيير انتشار المستوطنات، بما يقلص عدد المستوطنين الموجودين في قلب التجمعات السكانية الفلسطينية، ورسم خطوط أمنية سمّاها مؤقتة، ونشر الجيش على طول خطوطها بما يوفر الأمن عن طريق انتشار الجيش واستكمال الجدار الفاصل ووضع عوائق مادية أخرى تمنع تنفيذ عمليات فلسطينية.
ويرى يهود أولمرت أن ترسيم الحدود بين الدولتين (فلسطينية وصهيونية) يجب أن يقوم على وجود 80% من «سكان إسرائيل يهوداً و20% فلسطينيين» وأن تبقى الكتل الاستيطانية الكبرى داخل حدود تحاذي «الخط الأخضر»، والباقي يتم إخلاؤه، وتبقى القدس التي تمثل مساحتها ربع مساحة الضفة الغربية «عاصمة موحدة لإسرائيل». وستكون هذه الدولة التي لن يعارض شارون تسميتها بدولة أو إمبراطورية مقطعة الأوصال وجزراً متناثرة ومطوقة بالطرق الالتفافية ومصطدمة بجدار الفصل العنصري.
وما سبق تعبير واقعي عن فشل قادة الكيان الصهيوني في تحقيق الأمن للمستوطنين، ويعتبر ذلك فشل شخصي لشارون الذي وعد بإنهاء الانتفاضة والقضاء على «الإرهاب» وهو القائل على أبواب الانتخابات الصهيونية عام 2001: (دعوا الجيش ينتصر) ليجعل الفلسطينيين يقبلون بحل سياسي ضمن مواصفات ومقاييس وشروط صهيونية قائمة على استثمار نتائج النصر في ساحة المعركة. والملاحظ أن أياً من تلك الشعارات التي وعد بها شارون لم تتحقق بفضل صمود وتضحيات الشعب الفلسطيني. ونتيجة لذلك فشل مشروع إسرائيل الكبرى ليختزل بإسرائيل اليهودية المحاطة بالجدران العازلة، و«محاربة» فكرة دولة ثنائية القومية التي وصفها البروفسور الصهيوني أرنون سيفر بأنها «دمار للشعب اليهودي في صهيون». ويرى بعض قادة الصهاينة أن الحل في ذلك يتمثل بعملية ترانسفير للفلسطينيين أو على الأقل فصل ديمغرافي، ويعتبر موشي يعالون رئيس الأركان الصهيوني إذا لم يكن الترانسفير ممكناً فلا بد من نمط آخر من الفصل الديمغرافي، ويُفهم من ذلك العمل على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم كما حصل عام 1948.
وإذا كانت الإجراءات الأحادية الجانب التي يهدد باتخاذها القادة الصهاينة تقلق قادة السلطة الفلسطينية، فإن الدولة الثنائية القومية التي هدد السيد أبو علاء رئيس حكومة السلطة بإعلانها لا تقل خطورة عنها؛ فهي سيكون فيها الفلسطينيون لا يشكلون الأغلبية في المدى المنظور على الأقل، فهم يشكلون 4.8 في مقابل 5.2 يهودي، وسيكونون رعايا من الدرجة الثانية إن لم يكن من الدرجة العاشرة في دولة القهر الصهيوني. إضافة إلى أنها ستمنح الصهاينة فرصة ذهبية للدخول «الشرعي» إلى المنطقة العربية والإسلامية. وهذا يعني سيطرة اليهود على جميع مقدرات الدولة الثنائية على اعتبار أنهم الأقوى والأكثر قدرة على السيطرة على مراكز القرار فيها.
وتبقى المسألة الفيصل في ذلك إلى أن الجانب الصهيوني يرفض فكرة الدولة الثنائية، ولا يقبل بوجودها لأسباب داخلية أنها تنفي فكرة الدولة اليهودية التي يطمح لها، وأنها تكرس الوجود الفلسطيني داخل «البيت اليهودي» كخطر وجودي عليها، وهي التي تقوم على فكرة إلغاء الآخرين. هيثم أبو الغزلان، كاتب فلسطيني