دولة البابا شنودة

بقلم: محمد طعيمة

أولى بديهيات الدول، خضوع "الكل" أفراداً ومؤسسات لذات القانون، وقدسية أحكام القضاء بوصفها "العنوان الوحيد للحقيقة".
بعبارات حاسمة، وضع البابا شنودة أولى خطوات فسخ العقد الاجتماعي المؤسس لـ"دولة مصر"، ممهداً طريق تشظيها. وبحزم يُغلق باب النقاش. يقول سكرتيره الأنبا أراميا "لا توجد قوة تجعل الكنيسة تنتهك تعاليم الكتاب المقدس لتنفيذ الحكم القضائي".
الحكم تأجل صدوره أكثر من مرة، وبعدها لم تجد أعلى هيئة بمجلس الدولة، الرقيب الدستوري على "كل" مؤسساتها، سوى أن تلغي قرار البابا برفض التصريح بالزواج الثاني للمطلقين لغير علة الزنا، لأن "تكوين الأسرة، حق دستوري يعلو كل الاعتبارات"، و"أن المحكمة إذ تحترم المشاعر الدينية، غير أنها تحكم وفقاً لما قرره القانون"، الذي راعى كون الزواج المسيحي "سراً مقدساً"، كما قالت حيثياتها.
لم ينفرد البابا بانتهاك الدستور، هو مثل كل مؤسسات الدولة وفئات مجتمعها، الذين خرجوا على عقدها المُؤسس بأشكال ووقائع أصبحت سياقا عاما، من رئيس ومؤسسات الجمهورية... إلى "مواطنين" هجروا مواطنين بهائيين أو منعوا صلاة مواطنين مسيحيين. خطورة ما فعله شنودة هو المباهاة بالخروج عن دولة... تتفكك، على أيدي لانظام "تنازل" عن جزء من سلطانها للبابا. منح "كنيسته" حق إدارة الأوقاف القبطية مستقلة عن الدولة، ثم حق "احتجاز مواطنات" أبرزهن وفاء قسطنطين وماري عبد الله، وحق الحديث باسم طائفة من "المواطنين" سياسياً، مما شجع "كنيسته" على الالتحاق بفوضى انتهاك القانون في اقتضاء الحقوق بأيدي الرهبان.
يوماً بعد أخر يترسخ إيماني بأن مهمة اللانظام الحاكم التاريخية هي تفكيك مصر ومجتمعها، والقضاء على تطورات سياسية واجتماعية تراكمت منذ محمد علي حتى نهاية الستينيات. لكن كل من انتهكوا القانون لا يقرون بجرائمهم في حقه، وينفون وقوعهم تحت توصيف الخروج على الدستور. شنودة، وحده، يرفض صراحة قدسية القضاء، مُتجاهلاً أن القانون الحالي وضعه رجال دين مسيحيون وطُبق، وعُدل، في عهد البابوات كيرلس الخامس ويوأنس التاسع عشر ومكاريوس الثالث وكيرلس السادس، لم يشكو مائتي ألف مسيحي معه من مشكلة الزواج الثاني كما حدث مع البابا الحالي.
القضية، إذن، ليست حق احتكام طائفة لشريعتها في أحوالها الشخصية، بل فرض البعض "تفسيره" لها كقانون واجب التطبيق، رغم أن "تفسيره" يخالف قانون سنه بابوات سبقوه. بابوات عظام لم نسمع منهم: "لا أخذ أوامر من جهات مدنية"... كما تلاعب شنودة بمشاعر الأقباط، خالعاً عن الأحكام قدسيتها... إلى مجرد أوامر، بعد ان رسخ بدماغ رعيته أن "الأقباط دستورهم الإنجيل"... حسب تعبير النائبة إبتسام حبيب، و"لا رقابة من القضاء على الرئاسة الدينية"... كما زعم رمسيس النجار محامي البابا، و"الكنيسة لا تخضع لسلطة زمنية"... وفق إدعاء القمص صليب ساويرس.
يااااه، أما زال هناك من يتحدث عن سلطة إلهية لبشر تعلو الدولة؟ نعم في مصر. فالتشوه حين يطال دماغ مجتمع... لا يفرق بين مسلم ومسيحي، داعية كان أو قس أو قاض أو صحفي أو موظف. في بريطانيا يتقدم أسقف كانتبري على ولي العهد بروتوكولياً، ولبابا الفاتيكان مكانة هي الأرفع دينياً في العالم المسيحي، لكن أحدهما لن يجرؤ على إعلان رفض الخضوع للقضاء أو لغيره من مؤسسات دولته. إذا فعل، ستطحنه رعيته... المسيحية.
بالطبع، الغالبية المُسلمة سبّاقة بتشوهاتها في إفراز تعبيرات مماثلة، دشنها السادات بمهزلة: "رئيس مسلم لدولة مسلمة"، لكنها لم تتأطر في مؤسسة تمنحها قوة الأمر الواقع، مستغلة أداء لانظام عجز عن حماية حقوق طائفة من مواطنيه، فدفعهم للجوء لمؤسسة استغلت شعورهم بالظلم لخطف جزء من سلطان الدولة. الآن نفهم لماذا أيد البابا لعب البعض بالإسلام تحت شعار "تطبيق الشريعة"، فـ"موظفي الدين" بالضفتين يريدون إقتسامنا بين سلطتيهما المُتسترتين خلف المصحف والإنجيل، لتتصادم النصوص "المقدسة" وتتفتت الدولة.
يسعى شنودة لـ"تقنين" نصيبه من الفوضى، ليخطف سيادة... تعلو الدولة. سيادة حتى رئيس الجمهورية لا يتمتع بها إلا فيما يتعلق بالشئون الخارجية والجيش. من قبل، رفض بابوات عظام التقوي على دولتهم رغم إغراءات المُحتل البريطاني، ورفضوا اقتراح المفكر الراحل محمود عزمي بتضمين حقوق الأقباط في دستور 1923، مطمئنين إلى عقد اجتماعي ربطهم بمسلميهم.
نتمسك بعقدنا المُؤسس لدولة يحترم أفرادها ومؤسساتها ومكوناتها ثوابت تماسكها وتطورها. دولة يهابها الكل، تحمي الكل بدون تمييز، ويخدمها الكل بدون تعالي. دولة، ضمن أولوياتها "احتضان" كنيستها... أعرق كنائس العالم. تصون رعويتها داخلياً... وتنمي نفوذها خارجياً، لتعود، ثانية، "كنيستنا"... مسلمين ومسيحيين. محمد طعيمة m.taima.4@gmail.com