دولة إيرانية.. دون حكم المعممين

ولاية االفقيه العامة مستحدثة في الفكر الشيعي

يُعرف عن الإمام شمس الدين أنّه كان أول مَنْ أيّد ودعَم نهضة الخميني والثورة الإسلامية الإيرانية؛ وظل يدافع عنها في وجه كل الهجمات والاعتداءات والافتراءات. ويُعرَف عنه أيضاً أنّه كان أول مَنْ عارض وظل يعارض نظرية ولاية الفقيه وسمّاها باسمها الحقيقي: "الاستبداد الديني". ودفاعه عن الدولة الإسلامية في إيران قام على أساس مشروعيّتها الشعبيّة الديموقراطية، إذ اعتبر أن النظام الإسلامي ودستوره شرعيان نظراً إلى إقرارهما في استفتاءات وخيارات شعبيّة ديمقراطيّة لا غبار عليها، وليس لأنّ الفقهاء فرضوا هذا الخيار. وقد قرن اعترافه ودعمه لخيار الشعب الإيراني، بتشديده على ضرورة مؤسسات القرار في داخل الدولة، وتطوير المشاركة الشعبيّة وأدوات الديموقراطية في إيران. وقال: إن "إيران دولة إسلامية قائمة على ولاية الفقيه، هذا جيد. ولكن في حدود إيران، أما خارج إيران فلا ولاية لهم على أحد".

ولاية الأمة

كما أنه طوّر نظريّته حول ولاية الأمّة على نفسها داعياً إلى اعتمادها لتطوير النظام الإيراني نفسه نحو الديموقراطية الحقيقيّة الموافقة للشورى الإسلاميّة. ففي عصر الغيبة، بالنسبة للشيعة المؤمنين بغيبة الإمام المهدي، وبعد سقوط الخلافة على مستوى أهل السُّنة كما على مستوى الواقع التاريخي، استعاد الناس ولايتهم على أنفسهم، ولاية الأمّة على نفسها تعني أن ينظم الناس حياتهم وفق مصالحهم التي يدركونها ولا يسلمونها إلى أحد.

كان أبرز ما يواجه عمليّة "لبننة" الفكر السياسي الإسلامي (والواقع الإسلامي نفسه)، ذلك التعارض المطلق الذي أقيم بين الهويّات المختلفة: لبنانيّة/سوريّة/عربيّة/إسلامية/ شيعيّة/سُنية مناطقيّة/عشائريّة... الخ. وقد "اشتغل" الإمام محمد مهدي شمس الدين على ضرب الموْهومات الفكريّة/النظريّة المبرّرة للتهويمات ما فوق قوميّة، التي عُرفت بها الحركات القوميّة والإسلاميّة في لبنان. فقد انطلق من ملاحظة أننا واجهنا قضيّة "التجزئة" العزيزة على فكر القوميين والإسلامويين، بنفس العقليّة الموروثة عن مرحلة (سايكس/بيكو)، وأننا لم ننتبه إلى اعتبار أن الاجتماع العربي الإسلامي لا يقوم على أساس وحدة اندماجية على غرار الوحدات القوميّة الأوروبيّة. وأننا عالجنا بالتالي قضية الوحدة في مقابل التجزئة علاجاً خاطئاً عمّقها وشجّع القطرية الإقليمية، وخلق أنظمة مصالح متناقضة بدل أن يخلق فضاء أوسع للتنوّع مع التركيز على بناء نظام مصالح متكامل.

ورأي الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن "الأمّة" انتزاع تجريدي، وأنّ هذا التجريد لا أساس فقهياً له، كما أنه لا قيمة علميّة له، فالأمّة خاضعة واقعياً لتقسيمات وكيانات وأنظمة مصالح. وهذا الانقسام الواقع عمل مشروع ومبرّر فقهياً إذا لم يصادم نظامُ مصالح كيانٍ ما نظام مصالح الكيانات والأنظمة الأخرى. ومقولة "الحكومة العالمية"، حتى في العصور الإسلامية السالفة، كلام غير دقيق، لا مشروعيّة فقهيّة له ولا مشروعيّة علميّة، وحتى الدولة النبوية الأولى فهي كانت دولة تتراوح بين الفيدرالية والكونفيدرالية.

ويمكن أن تنتج عن ذلك، كما حدث في إيران، وفي غيرها، دولة ودستورها الإسلام ولكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن يحكمها الشيوخ المعمّمون. بل الأولى والأصحّ أن الناس تنتخب ممثليها وتعطيهم ولايتها على نفسها. ويمكن بهذا المعنى أن تنشأ عدة دول إسلامية، وأن تكون لها مؤسسات رقابة وتمثيل كما هو حاصل في إيران. والمهم هو احترام الديموقراطية وولاية الناس أو الأمّة على نفسها. وعدم الوقوع في الاستبداد الديني تحت عنوان الولاية العامة للفقهاء. إذ ليس للفقهاء أي ولاية على الناس، من حيث إن الولاية التي كانت للرسول أو للأئمّة المعصومين لم تعد موجودة، وصار الناس ملزمين باختيار ما يناسب مصالحهم وإدراكهم لها.

ووجود دولة إسلامية، اختار شعبها دستورها الإسلامي، لا يعني بالضرورة أن يكون كل نظام وحكومة إسلاميين. فلا دعوة عند شمس الدين إلى ضرورة قيام حكومة إسلامية أو حكم إسلامي. فالمجتمع السياسي الإسلامي يمكن أن يستمر مسلماً في تكوينه ومنهجه العام، ويكون قابلاً لأي نظام لا يتنافى مع الإسلام باعتباره عقيدة المجتمع، من دون أن يكون نظام الحكم إسلامياً.

حزب الله وولاية الفقيه

برغم ما سبق قوله من وجود تيارات عديدة صبت كلها في إطار تشكيل حزب الله لاحقاً، إلا أن الحقيقة الأكبر أنه ما كان لحزب الله أن يولد وينمو ويستمر لولا الرعاية الإيرانية. فلقد تشكّل حزب الله في لبنان على أساس أنه "حزب الثورة الإسلامية في لبنان" أي كفرع من "حرس الثورة الإسلامية" الإيراني. ولم يكن ذلك فقط من حيث إن قوات حرس الثورة التي جاءت إلى لبنان إثر اجتياح صيف 1982 وأقامت قاعدة عسكرية لها في بعلبك، قامت فعلياً بتوحيد وتدريب وتأطير وتنظيم المجموعات التي صارت لاحقاً حزب الله (1982- 1985)، وإنما أيضاً وأساساً من حيث إن الأساس العقائدي/الفكري/التنظيمي يقوم على نظرية وممارسة ولاية الفقيه، أي على الإيمان المطلق بها والانضباط التام لها والطاعة لمستلزماتها، وفي ذلك يقول السيد إبراهيم أمين السيد، أحد أبرز قادة حزب الله، حين كان الناطق الرسمي أو الأمين العام الأول للحزب: "نحن لا نستمد عملية صنع القرار السياسي لدينا إلا من الفقيه، والفقيه لا تعرّفه الجغرافيا بل يعرّفه الشرع الإسلامي، فنحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران. نحن نعتبر أنفسنا - وندعو الله أن نصبح- جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف. ونحن نطيع أوامره ولا نؤمن بالجغرافيا، بل نؤمن بالتغيير".

وفي بيان تأسيس الحزب (16 فبراير (شباط) 1985) نقرأ: "إننا أبناء أمة حزب الله، نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم. إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط. كل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد".

في شرح أدق لهذا المعنى يقول السيد حسن نصرالله: "الفقيه هو وليُّ الأمر زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس، ويفترض فيه، إضافة إلى الفقاهة والعدالة والكفاءة، الحضور في الساحة والتصدي لكل أمورها، حتى يعطي توجيهاته للأمة التي تلتزم بتوجيهاته.

نحن ملزمون باتباع الولي الفقيه، ولا يجوز مخالفته. فولاية الفقيه كولاية النبي والإمام المعصوم، وولاية النبي والإمام المعصوم واجبة، ولذلك فإن ولاية الفقيه واجبة. والذي يردّ على الولي الفقيه حكمه فإنه يردّ على الله وعلى أهل البيت. فمن أمر الولي الفقيه بلزوم طاعتهم فطاعتهم واجبة".