دور النخبة في تجسير القطيعة المذهبية في السعودية

بقلم: محمد الشيوخ

من ناحية واقعية ومنطقية لا يمكن المراهنة على كل أتباع التكوينات المذهبية في عملية إنعاش أو تجسير العلاقة المتبادلة بين المذاهب الإسلامية في الداخل السعودي، وإنما الرهان معقود دائما على النخبة التي تتمتع بحس وطني وبنضج سياسي، وتدرك جيدا بأن تجسير العلاقة بين كل المكونات من شأنه أن يسهم، ولو في الحد الأدنى، في إيجاد أرضية مشتركة للحوار الذي يؤسس لاحقا لفهم متبادل يفضي إلى تعاون محتمل.
هذه النخبة قادرة على أن تبدد حالة الإحباط التي تسود جمهورا عريضا من المجتمع السعودي كان لا يرى أي بارقة أمل في بناء علاقة تبادلية إيجابية بين أتباع التكوينات المذهبية وبعضها البعض، خصوصا بين الشيعة والسنة، وذلك بسبب الكثير من العوائق، من بينها - أن لم يكن أبرزها - عدم وجود برامج ومشروعات عمل وطنية حقيقية ترعاها السلطة السياسية من شانها أن تعزز حالة الحوار والتواصل بين مختلف المكونات المذهبية، ونزوع رموز التيار السلفي المتطرف لخلق التشنجات الداخلية وإعاقة أي جهد تقاربي بين الشيعة والسنة، بل العمل على إثارة نزعات القطيعة والتعبئة وفق مسوغات دينية وتاريخية تقود إلى القطيعة الدائمة وتمهد الأرضية للفتن الطائفية وعدم الاستقرار الداخلي.
أياً كان سعة تمثيل النخبة، سواء ضمن تكوينها الخاص أو ضمن الدائرة الأوسع، فهي الكفيلة بتجسير العلاقات التبادلية، وهي القادرة أيضا على صياغة الرؤية الوفاقية المشتركة، واجتراح الحلول والمبادرات الواقعية والممكنة للدفع باتجاه خيار التواصل والتلاقي والتأسيس لبناء علاقات تبادلية متينة وفق رؤية وطنية جامعة.
من خلال كل ذلك يمكن تحقيق بعض التطلعات الاجتماعية والآمال الوطنية الطموحة والمرتقبة، كما تتمكن النخبة أيضا إيجاد وتفعيل الميكانيزمات (المحركات) الصانعة للأفعال والبرامج والمبادرات على أرض الواقع، وهو الأمر الأهم بحسب ظننا، لأن القوانين والتشريعات، وإجراءات السلطة السياسية التي يفترض أن تدفع في اتجاه تعزيز العلاقات التبادلية وإرساء خيارات السلم الأهلي والأمن والاستقرار الاجتماعيين، مع أهميتها وضرورتها، لكنها بدون استثمار شعبي وتوظيف اجتماعي لن يكون لها ذلك الأثر المأمول، سيما وأن البنية الاجتماعية تشبعت بعناصر الإلغاء والإقصاء والتمييز الأمر الذي لن تنفع معها الحلول الرسمية منفردة، أي بمعزل عن المعالجات الثقافية والاجتماعية.
أقصى ما يمكن أن تحققه البرامج الوطنية والتشريعات والإجراءات القانونية، أنها ستعمل على تهيئة الأرضية المناسبة لولادة ونمو المبادرات الثقافية والاجتماعية الدافعة في اتجاه الحوار والتأسيس للتعايش والاستقرار، والحماية القانونية للمكونات الاجتماعية من الصدامات والصراعات الطائفية المحتملة، لكنها لا يمكن أن تؤسس لحالة من الوفاق الوطني الحقيقي الذي يمكن المراهنة عليه في بناء مجتمع تعددي يسوده الانسجام والتعاون والتواصل الطبيعي، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار البنية الفكرية والثقافية المجتمعية التي تشبعت بمزيد من عناصر الانكفاء والتهميش والإلغاء والقطيعة. هذه البنية لا تنفع معها الحلول السياسية والإجراءات القانونية والمشاريع الوطنية منفردة، وإنما هي بحاجة إلى معالجات فكرية وثقافية وتربوية واجتماعية متعدد الاتجاهات والمصادر وطويلة الأمد، تعمل على إعادة صياغة المنظومة الفكرية الحالية، وتساهم بفاعلية في تنشئة أجيال جديدة تفكر بنمط مختلف تماما عن طريقة التفكير السائدة.
في ظننا أن حراك النخبة التواصلي الحالي، رغم محدوديته، إلا أنه قد أسس لمرحلة جديدة يمكن البناء عليها لدفع عجلة الجهود المتجهة نحو معالجة الأزمة المذهبية في بعدها الاجتماعي على الأقل. لعل من أبرز المؤشرات الهامة لقبول مساعي الحراك التواصلي، هو أتساع النخبة المؤيدة لهذه الجهود، وتفاعل شرائح واسعة من أغلب التكوينات المذهبية مع ما يبذل من جهد على هذا الصعيد. يضاف إلى ذلك أن هنالك حالة إعجاب من المراقبين بتجربة الحراك التواصلي الشيعي–السني، بل الشيعي–السلفي في المملكة رغم حداثة هذه التجربة ومحدودية آفاقها. هذا الحراك، بحسب بعض المراقبين، يعتبر أنموذجا يمكن الاحتذاء به في بقية الأقطار، وذلك بالنظر لموقعية ومكانة المملكة، وتعقيدات الوضع الاجتماعي والحالة الدينية والمعادلات السياسية وحساسيتها.
في الحقيقة هنالك شعور يخالج كثيرين مفاده: أن أي تحسن في العلاقة الشيعية-السنية في المملكة سينعكس أثره على بقية بلدان العالم الإسلامي. ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن اعتبار أي جهد تقاربي تبذله النخبة (الشيعية والسنية) في السعودية هو جهد عابر لجغرافيا المملكة لأن تأثيراته ستنعكس إيجابا على كل التكوينات المذهبية في العالم.
بعد تدشين مشروع الحوار الوطني في المملكة، الذي يعد من الفرص الوطنية الثمينة، بات بالإمكان البناء على هذه النقلة خطوات ومبادرات اجتماعية تأسس لعلاقات تبادلية إيجابية بين مختلف المكونات المذهبية، كما يمكن للنخبة–كما أتصور- التحرك على هذا الصعيد في اتجاهين:الأول، بلورة رؤية ناضجة ومتكاملة فيما يخص طبيعة وكيفية العلاقات التبادلية بين المكونات المذهبية والاجتماعية والمناطقية راهنا ومستقبلا، تتبعها مشروعات وآليات عمل واقعية للتنفيذ والتطبيق، وهي مسؤولية تقع في المقام الأول على النخبة الوطنية الخبيرة بطبيعة الحراك الاجتماعي في هذا الوطن.
والثاني، العمل على تهيئة الأرضية وتوفير القابلية رسميا وشعبيا للتفاعل مع المبادرات الوطنية والاجتماعية الدافعة في اتجاه تجسير العلاقات التبادلية وتحقيق الوحدة الوطنية الحقيقية على قاعدة إرساء خيار المواطنة. وهذا يتطلب بالضرورة، من الجميع سيما الجهات الرسمية دعم المبادرات الثقافية والأنشطة الاجتماعية المتناغمة مع المشروعات الوطنية التي تصب في هذا الاتجاه، وليس العمل على عرقلتها أو إجهاضها وتقويضها. محمد الشيوخ
باحث سعودي M_shayook@hotmai.com