دور العلوم الإجتماعية في ترسيخ الذهنية الديمقراطية

قلم: فؤاد غربالي
تدعيم الأسس المعرفية

لعل من ميزات "السياسات التربوية" في عهد الرئيس التونسي السابق بن علي أنها عملت على تهميش العلوم الإجتماعية، والتخصصات الأدبية، والتبخيس من شأنها في أذهان الناشئة عبر عدة طرق وآليات لعل من أبرزها القول بصعوبة إدماج العلوم طلاب العلوم الإجتماعية في سوق الشغل مما جعل الأولياء يعملون جاهدين إلى توجيه أبنائهم نحو التخصصات العلمية والدفع بهم عبر الدروس الخصوصية مشطة الأثمان نحو اللحاق بتلك التخصصات ضنا منهم أنها الأقدر على ضمان الشغل بعد التخرج. الأمر الذي حول المدرسة إلى ما يشبه السوق المفتوحة على ثنائية العرض والطلب التي جعلت منها مجرد جهاز للفرز والإقصاء يعيد إنتاج التفاوتات الإجتماعية، ويكرسها، حيث صار الإلتحاق بالتخصصات العلمية الأكثر تشغيلية، حكرا على أبناء الفئات المترفهة، والقادرة على دفع أثمان الدروس الخصوصية مشطة الأثمان التي عادة ما تشمل المواد العلمية واللغات التي تمكن من الإلتحاق بالتخصصات الجامعية الأكثر قبولا في سوق الشغل.

بالمقابل يجد أبناء الفئات الفقيرة والمهمشة، الذين يعيشون في الأرياف وأحياء السكن الضحوي العفوي الموجودة على هامش المدن الكبرى، وجزء من أبناء الطبقات المتوسطة المفقرة بفعل الخيارات الإقتصادية الخاطئة، أنفسهم مجبرون بفعل عدم قدرتهم على مجاراة نسق السوق التعليمية على الذهاب القسري إلى العلوم الإجتماعية بلا رغبة معرفية وبلا رساميل لغوية، تمكنهم من التميز وتحقيق الإضافة. وهذا أمر تعمل فلسفة التوجيه المدرسي والجامعي السائدة منذ سنوات على تكريسه، فهي لا تأخذ بعين الإعتبار رغبات الطالب أو التلميذ في عملية التوجية بالتوازي مع إمكانياته المعرفية والعلمية، بل على العكس ممن ذلك فقد أسست لثقافة "الميز العنصري" بين مجال التخصصات العلمية ومجال الإنسانيات والعلوم الإجتماعية، التي تعتبر لدى القائمين على عملية التوجية المدرسي والجامعي، بمثابة "القمامة" التي يرمى فيها جميع المخفقين والفاشلين وكل ضحايا النظام التربوي من أبناء الفئات المهمشة.

إن عملية تهميش الإنسانيات والعلوم الإجتماعية والتبخيس من شأنها لدى الناشئة ارتبط بعدة أسباب لعل أولها أن التعليم في عهد بن علي لم يكن رهانا سياسيا ضمن مشروع مجتمعي يهدف إلى خلق الفرد المواطن، بل كان مجرد أداة لتمرير أفكار، وتوجهات المؤسسات الدولية، ووسيلة للدعاية لأفكار الحزب الحاكم التسطيحية، التي تستهدف تجهيل الناشئة وإقصائهم عن الإهتمام بالشأن العمومي. لهذا تساوق استبعاد العلوم الإجتماعية وتهميشها مع ذلك التوجه، فالعلوم الإجتماعية هي مضادة للديكتاتورية، والظلم، وتحمل في مضامينها قيم العدالة، والحرية، والعقلانية، ومن الممكن أن تساعد على تشكيل وعي نقدي وخلق فرد يصعب التلاعب به، قادر على المحاورة، والنقاش وبلورة موقف خاص حر ومستقل. وكان لهذا الإستبعاد الممنهج للعلوم الإجتماعية الأثر السيء على جزء من الفئات الطلابية والتلاميذية التي صارت تفتقد لآليات التحليل المنطقي والعلمي لما يحيط بها.

من هذا المنطلق بالذات نجد أنفسنا في مرحلة ما بعد 14 يناير مجبرين على إعادة الإعتبار للعلوم الإجتماعية، على المستوى البحث والتدريس، في إطار تصور جديد لمعنى المدرسة، يحاول أن يربط بينها وبين فكرة المواطنة، ويؤصل العملية التعليمية ضمن مشروع مجتمعي ونموذج ثقافي شامل بعيدا عن السياسات المرتجلة والمسقطة التي تراهن على الجانب الكمي عن طريق الإستهانة بالجانب الكيفي وكذلك على جعل التعليم أداة لخلق ذوات مستهلكة ليست لها القدرة على إنتاج المعنى والإنخراط بشكل فاعل في الشأن العمومي.

من هذه الزاوية تحديدا تتخذ العلوم الإجتماعية بكل تفرعاتها أهميتها الكبرى في مرحلة بناء وتأسيس مجتمع ديمقراطي وفضاء عمومي يتناقش فيه الأفراد بكل حرية وبالقدر نفسه من المساواة، حيث تساعد هذه العلوم، وعلى رأسها علم الإجتماع تحديدا، الفاعلين الإجتماعين على بلورة وعي مدني، وفهم عقلاني، يتأسس على المعرفة العلمية لما يدور حولهم. فعلم الإجتماع كما يقول المفكر المعروف ألان تورين "يساهم في أن يتصرف أعضاء المجتمع كفاعلين بقدر الإمكان ... "وأن يتخلص المجتمع نفسه من نظامه وإيديولوجياته وبلاغته عن طريق إبداع نظما للفعل بواسطتها تصوغ المنظومة الإجتماعية نفسها بإستمرار، فهدف علم الإجتماع هو تنشيط المجتمع"، فدور علم الإجتماع والعلوم الإجتماعية بشكل عام من هذا المنظور هو دور تنويري يجعلها في نظال دائم ومستمر ضد كل أشكال الدوغمائية، والخطابات التبريرية، لما هو قائم وموجود، بل إنها تساعد حتما على إمكانية تشكل الفرد كذات قادرة على معارضة منطق السيطرة الإجتماعية بإسم منطق الحرية والإنتاج الحر للذات الذي يؤدي إلى تأكيد حقوقها في عالم تحول فيه الإنسان إلى موضوع.

إذا نحن في حاجة لمقاربة جديدة في مجالي التربية والتعليم تستدمج فكرة الديمقراطية وتراهن على ترسيخها في أذهان المتعلمين، عبر المضامين العلمية للمعرفة الفلسفية والسوسيولوجية، والموسيقية والمسرحية، التي تحمل بين طياتها إيتيقا أو أخلاقيات التواصل، والعيش المشترك، رغم الإختلافات والتباينات، وهو ما من شأنه أن يدعم فكرة التنوع داخل الفضاء العمومي ويفصح عن الديناميكية الحقيقية للمجتمع التونسي الذي بدأ يسترد القدرة على إنتاج تاريخه الخاص بعيدا عن وصاية الدولة/الحزب وسياساتها الأمنية التي طالما أمعنت في ضرب القوى المجتمعية المستقلة وإضعافها وتحييدها إزاء قضايا المجتمع وأسئلته.

على هذا الأساس تحديدا يصير من غير الممكن أن تظل العلوم الإجتماعية في المنظومة التربوية والبحثية لتونس المقبلة على الهامش وفي موضع التبخيس. ذلك أن الديمقراطية بما هي مسار، وصيرورة، وجدل منفتح تحتاج فيما تحتاج إليه تدعيم الأسس المعرفية والفكرية والتربوية والبيداغوجية، فما أحوجنا في هذا الصدد لمعاهد ومراكز بحوث علمية مستقلة في مجال العلوم الإجتماعية، تمكن من الفهم العلمي للتحولات، والتغيرات الإجتماعية، وتسهم في عقلنة القرار السياسي من أجل تنمية حقيقية غير متسرعة أو مرتجلة. كما تبرز في هذا الصدد ضرورة تدريس علم الإجتماع في مستوى المعاهد الثانوية كمادة مستقلة إلى جانب مادة الفلسفة. فالتلميذ الذي يدرس مادة العلوم الطبيعية والفيزيائية قصد تكوين رؤية علمية عن محيطه الطبيعي هو في حاجة كذلك إلى تكوين رؤية علمية عن محيطه وعالمه الإجتماعي والثقافي، وهو ما من شأنه أن يدعم فكرة النسبية لديه بدل فكرة الإطلاقية ويمنحه الأدوات المعرفية لقبول التواصل الديمقراطي مع بقية الفاعلين الذين لا يشاركونه نفس الطموحات والتوجهات ويمكنه من الإعتراف بالإختلافات الموجودة في الفضاء العمومي أو ليست الديمقراطية مثلما يعرفها شارل تايلور هي سياسة للإعتراف.

فؤاد غربالي ـ مختص في علم الإجتماع (تونس)

fouedghorbali@yahoo.fr