دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي

بقلم: السيد نجم
ابن الهيثم: علامة فارقة في تاريخ الفيزياء

هناك بعض الكتاب لا يمكن تجاوز كتاباتهم مع مرور الوقت، تماما كما هو الحال لبعض الكتب وبعض الموضوعات.
تنطبق هذه المقولة على عبدالرحمن بدوي كتابا، وعلى كتابه "دور العرب فى تكوين الفكر الأوروبى" من حيث هو منتج قريحة بحث الكاتب، ومن حيث الموضوع على اطلاقه. وقد صدر الكتاب مجددا (اعادة نشر) ضمن سلسلة الأعمال الفكرية لمشروع "مكتبة الأسرة".
لعل أهم ما يتميز به الكتاب هو التناول العلمى والموضوعى لفكرته المحورية، دون الدخول فى هوامش انفعالية أو مهاترات غير موضوعية. يستهل الكاتب موضوعه بقوله:"قصدنا فى هذه الدراسة أن نرسم حطوطا اجمالية لدور الفكر العربى فى تكوين الفكر الأوروبى، لأن هذا الدور واسع المدى عميق الأثر، شمل الصناعات، ولم يقتصر على الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضات، بل امتد الى الأدب والفن كالعمارة والموسيقى."
يشير الكاتب الى أهمية مركزين فى لعب الدور الرئيسى وهما:طليطلة فى أسبانيا، و"صقلية" فى ايطاليا. وقد لعبت الرحلات والمكتبات (خصوصا فى طليطلة) والتجارة ثم الترجمة الأدوار الأولى والأساسية فى نقل الفكر والعلم اليونانى (عن العربية) الى أوروبا ثم نقل مستجدات العرب وأطروحاتهم،بل وابداعاتهم وفنونهم.
ويذكر فى هذا الجانب، دور "بيت الحكمة" الذى أنشأه الخليفة المأمون للترجمة من اليونانية والسريانية. ثم جاءت الترجمة عن العربية من البعض، منهم مطران طليطلة "ريمدندو"، والشماس "دومنجو غنصالبة"، ثم "أدلهر أوف باث" الأسبانى و"ميخائيل أسكوت" و"هرمانوس المانوس" الذى ترجم كتابات "ابن رشد"..وغيرهم.
وفى تلك الترجمة انتقلت كتابات "الفارابى" و"ابن سينا" و"الغزالى" و"الخوارزمى". وبفضل الأخير انتقل الحساب الهندى الى أوروبا والنظام العشرى فى الحساب (وقد عبر الكاتب عن دهشته لأن تترجم العمليات الحسابية "alguarismo” والمنسوبة الى الخوارزمى الى "اللوغاريتمات" فى العربية..!)

..أثر الأدب العربى فى تكوين الشعر الأوروبى، بعد التواجد العربى فى الأندلس، راج شكل الموشح والزجل الأندلسى..وهما الأصل فى الشعر الأوروبى، وأول من قال بتلك النظرية "خليان ريبيرا" لمستشرق الأسبانى. أما الموشح فهو يتألف من فقرات تسمى الأبيات، وكل فقرة/بيت يتكون من عدد معين من أشطار الأبيات فى قافية واحدة، وتعقب كل فقرة خرجة فى بحر أشطار الغصن، ولكن فى قافية أخرى...

..دور العرب فى تكوين الفكر العلمى الأوروبى، وقد برز دور العرب فى العلم بقروعه (الطب- الطبيعة –الكيمياء –الفلك –الرياضيات –الفلاحة).
ففى الرياضيات..ادخال النظام العشرى فى العدد، ومن أشهر العرب "الخوارزمى" و"بنو موسى بن شاكر".
وفى الفلك.. أبا العباس الفرغانى و محمد بن موسى الخوارزمى، وقد طبقوا حساب المثلثات على الأرصاد الفلكية، واخترعوا الآلات الجديدة للرصد.
وفى الطبيعة أو الفيزياء.. الحسن ابن الهيثم فى البصريات وعلم الضوء، وله السبق فى نفى الاعتقاد السابق بأن الابصار نتيجة خروج اشعاع الابصار من العين، بينما أكد هو العكس.
وفى الكيمياء..عرف العرب حمض الكبرتيك، ونترات الفضة، اتمام العديد من العمليات الكيميائية. ومن أشهرهم "جابر بن حيان".
وفى الطب..قام الأطباء العرب باكتشافات هامة مثل مرض "الجرب" أو "الحكة" الذى شخصة "ابن زهر". وعرفوا أنظمة الطعام وعلاقتها بالأمراض. كما أنشأوا المستشفيات، وعلم الفارماكوبيا أو الصيدلينيات أو الأقرابازين.

..دور العرب فى تكوين الفلسفة الأوروبية، وهو دور مزدوج، حمل رسالة الفكر اليونانى فى الفلسفة، ودور فاعل بما أضافه العرب. وبذا عرفت أوروبا أفلاطون وأرسطو وغيرهما..ثم ترجم منطق ابن سينا وكتابات الفارابى.
وقد وضح التأثر بالتأثير العربى فى كتاباتهم الفكرية، كما فى فكرة "ضرورة الوحى الألهى" التى أخذ بها القديس توما. ويذكر التأثير الهام والمباشر لكتابات ابن رشد. ويمكن اجمالا القول بأن المذاهب الفلسفية الرئيسية والتيارات الكبرى فى الفكر الفلسفى الأوروبى خلال الفترة بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر تدين بوجودها وآرائها الجديدة للفلاسفة العرب.

..دور العرب فى تكوين الموسيقى والعمارة فى أوروبا، من ينتبه الى "الفلامنكو" أو الموسيقى والغناء الأسبانى، يكتشف العلاقة والتأثير الواضحين للموسيقى والغناء العربى. وقد ذكر المستشرق الأسبانى تأثير تلك الموسيقى والغناء على كل البلدان الأوروبية عن طريق زيارات الأندلس وأسبانيا فيما بعد. ودليل التأثر هو:
-ظهور مذهب جديد فى الموسيقى اسمه "فن الميزان" لأول مرة بالقرن ال13، يعمل أنواع الأنغام العربية.
-استعمال بعض الآلات الموسيقية العربية فى أوروبا، وان تحور بعضها الى أشكال مختلفة، منها الربابة والعود..
-وجود بعض الأنواع الشعبية من الموسيقى الأوربية و لها صورة الأغانى الأندلسية العربية فى القرن التاسع والعاشر الميلادى.

يصعب الاحاطة التامة بمحتويات الكتاب، الا أن القارىء سوف يجد فيه متعة القراءة العملية والأدبية معا، وقد غلفنه روح البحث الموضوعى العلمى. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com