دور الشريعة من أجل بلجيكا.. والحرب السورية

عدد المقاتلين يتزايد

تواصل حزب اليمين فلامز بيلانغ مع عائلة دي مولدر وطلب منهم إجراء مؤتمر صحفي للتحدّث إلى الإعلام حول ابنهم، أمّا ديميتري بونتيك، والد جوجيون، فقد ذهب إلى سوريا بحثاً عن ولده. عادَ تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا إلى الأضواء ولكن هذه المرة كجهة تجنيدية محتملة تدفع بالشباب للحرب في سوريا.

كان أول البلجيكيين الذين لقوا مصرعهم هو نورالدين أبو علال الملقّب أبو مجاهد الذي كان الحارس الشخصي السابق لفؤاد بلقاسم. وكانت زوجة نورالدين وأم ولديهِ البلجيكية هي التي أعلنت خبر مقتلهِ. في هذه الفترة أصبح معروفاً أنّ حوالي ثلاثة وثلاثين عضواً سابقاً في تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا كانوا يشاركون في العمليات القتالية في سوريا ولم يكن أحد يتوقع بأنّ جميع البلجيكيين الراحلين للجهاد كانوا على صلة بتنظيم الشريعة ولكن الحكومة البلجيكية ربطت التنظيم بفعاليات التجنيد.

تبيّن فيما بعد أنّ عدد البلجيكيين في سوريا كان أكبر ممّا أشارت إليه التوقعات الأولى كما ازداد عدد أعضاء تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا الراحلين إلى سوريا. قُتل حسين العوسجي الملقّب أبو فلوجة وهو القائد العام للبلجيكيين المقاتلين في سوريا وكان قائد كتيبة مجلس شورى المجاهدين في حلب ويعتقد أنّه شارك في عملية قطع رأس بشعة جداً. يُقال إن الجهاديين البلجيكيين تركوا مواقعهم في قاعدة دار العزة في ريف حلب بعد مقتل العوسجي وهنا بدأ تشتّتهم حيث كان العوسجي القائد الذي يجمعهم وبعد مقتله انضم بعضهم إلى جبهة النصرة وبعضهم إلى داعش ولكن العدد الرسمي المعلن لأعداد المقاتلين البلجيكيين في سوريا يشير إلى أنّ جبهة النصرة لها النصيب الأوفر منهم.

إطلاق بلقاسم مع القيد

في هذه الأثناء تمّ الإفراج عن بلقاسم بعد ثمانية أشهر تحت شروط حيث سُمحَ لهُ بتكملة فترة حكمهِ في السجن وهو يرتدي سواراً إلكترونياً للمراقبة والترصد. وكانت الشروط بسيطة: لا يسمح لهُ بإثارة البلبلة في المجتمع ولا يسمح لهُ بالتواصل مع الإعلام. قالَ محامي بلقاسم: «إنّهم يريدون إسكات موكلي لا أكثر. إنّ ارتداءهُ للسوار الإلكتروني هو أمر إيجابي ولكن كان يجب أن يمنح هذا قبل أشهر.

أتمنى الآن أن يكون قد أدرك الطريق الصحيح وأن يدين ماضيه». ولكن رغم هذا في السادس عشر من أبريل (نيسان) اعتقلت السلطات بلقاسم وعدداً من كبار أعضاء تنظيم الشريعة بعد الاشتباه بتحريضهم على العنف وتجنيد الشباب للجهاد في سوريا . بحثت الشرطة في منازل عدّة ضمن ثمان وأربعين منطقة مختلفة في مدن أنتويرب وميشيلين وفيلفورد وبروكسل واعتقلت ستة أشخاص خلال عمليات المداهمة الدقيقة هذه.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، خلال مؤتمر صحفي نظّمهُ المدعي العام أدرج تنظيم الشريعة لأول مرّة كتنظيم إرهابي. قالَ المتحدث بول فانتيجتشيلت إنّه «بعد سنة من التحقيقات الجارية تمّ إثبات أن تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا له دور في تجنيد الشباب عبر نشاطات الدعوة العديدة التي يقوم بها التنظيم ويتعرض هؤلاء الشباب إلى التلقين الفكري والديني ويتم تدريبهم عسكرياً. كما شارك التنظيم في أعمال الشغب التي وقعت أثناء احتجاجات حظر النقاب في مولينبيك في مايو (أيار) العام 2012 وفي سبتمبر (أيلول) في كلّ من بروكسل وبورغيرهوت». اعتقل بلقاسم مرّة أخرى وجاءت ردود الأفعال الغاضبة من تنظيم الشريعة الأوروبي مجملاً وأول رسائل الدعم وصلت من أنجم شاودري.

مع أواخر شهر يونيو (حزيران) العام 2014 أُعلِنَ في بيان رسمي أنّ ستاً وأربعين عضواً من تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا، بعضهم ممّن قضوا في سوريا، يجب أنْ يمثلوا أمام القضاء بتهم التحريض على الإرهاب في بلجيكا وتجنيد الشباب للقتال في سوريا. كان فؤاد بلقاسم وخمسة عشر عضواً قيادياً من بين المدانين، أمّا البقية فكانوا من المناصرين بحسب تصريح إعلامي سابق.

تجنيد المقاتلين

تفيد المصادر الموجودة داخل الأراضي السورية بأنّ بلجيكا من البلدان الأوروبية الأساسية التي يجري فيها تجنيد المقاتلين الأجانب وإرسالهم إلى سورياحيث تشير البيانات الرسمية إلى رحيل ما لا يقل عن مئتي بلجيكي للقتال هناك في حين أن التحقيقات الصحفية والبحث في شبكات التواصل الاجتماعية تقول إنّ العدد يقارب أربع مئة. يقول فان فليردان: «إنّ حوالي ثلثي الشباب الراحلين إلى سوريا بدعوى الجهاد قد تأثروا في تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا حتى وإنْ لم يتم تجنيدهم من قبل التنظيم بشكل مباشر».

تدخل الحرب في سوريا اليوم عامها الرابع ويزداد عدد المقاتلين الأجانب الذين ينضمون للمشاركة في القتال ضد نظام بشار الأسد. معظم أعضاء تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا انضموا إلى ما يعرف بداعش منذ إعلان الخلافة في التاسع والعشرين من يونيو (حزيران) العام 2014. تشير دراسة نشرها مركز دراسات التطرّف الديني الكائن في لندن إلى أن المقاتلين البلجيكيين في داعش والجماعات الأخرى يشكلون النسبة الأعلى من بين المقاتلين الأجانب في سوريا ولا يزال العدد في ارتفاع مستمر منذ بيانات الصادرة أواخر العام 2013.

تمّ تحديث هذا البيانات مع نهاية يناير (كانون الثاني) العام 2014 بمساعدة غاي فان فليردين(Guy Van Vlierden) فاستطعنا التعرّف على ثمانية وستين بلجيكياً في سوريا من مجموع 336 فرداً، حيث كان ثمانية وعشرون منهم من أعضاء تنظيم الشريعة وانضمّ عشرة إلى داعش، بينما كان واحدٌ يحتل منصباً قيادياً في صفوف جبهة النصرة.

عودة النساء

عاد تسعة من أعضاء تنظيم الشريعة إلى بلجيكا وبعضٌ منهم هنّ من النساء وكانت بعض الصحف المحلية قد أوردت خبر تقديم الحكومة البلجيكة مساعدة لامرأتين بلجيكيتين حبليان من زوجات المقاتلين في العودة إلى بلدهم.

موقع «جهادولوجي» (Jihadology) نشر بيانات جديدة في مايو (أيار) العام 2014 وكانت الأخبار تشي بالخطر إذْ ادّعى الموقع ازدياد أعداد المقاتلين البلجيكيين . تعرّف الموقع على أربعة وثلاثين مقاتلاً بلجيكياً جديداً خلال أشهر قليلة. يوضح الجدول الآتي هذه الأرقام:

عاد إلى بلجيكا حتى اليوم بين ثلاثين وخمسة وثلاثين بلجيكياً من سوريا إلى ديارهم وما لا يقل عن عشرة منهم هم أعضاء بارزون في تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا، في حين لقي ما لا يقل عن ثلاثين بلجيكياً حتفهم في المعارك السورية ومن بينهم أيضاً أعضاء في تنظيم الشريعة، أمّا هشام شعيب وغيرهُ من الأسماء البارزة في التنظيم فلا يزال يدعم ويروّج للجهاد في سوريا والعراق. هناك نحو أربعين عضواً من تنظيم الشريعة يقاتلون الآن في العراق وسوريا.

قام تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا بوقف فعالياته وتفكيك تنظيمه بشكل طوعي. زعيمه الأصلي فؤاد بلقاسم هو معتقل كما أنّ الزعامة التي خلفتهُ لم يعدْ فيها على قيد الحياة إلا هشام شعيب؛ إذْ لقي نور الدين أبو علال مصرعه في سوريا خلال هذا الصيف كما قُتلَ فيصل يامون في بداية شهر فبراير (شباط) الماضي في القتال الدموي الدائر على الأراضي السورية أيضاً.

يقول غاي فان فليردين: «إنّ تنظيم الشريعة من أجل بلجيكا له دور أساسي في كل هذا، ففي البداية لمْ تأخذ السلطات التنظيم بشكل جدّي وصنّفت أعضاءهُ كمهرجين من الشباب الغاضب غير الخطرين. ولكن عندما تغيّر موقف السلطات كان التنظيم قد نجح في تجنيد المئات من المناصرين الشباب وكان الموقف الحكومي الجديد يشكّل بالنسبة لهم دافعاً ومحفّزاً لمواصلة التطرّف. وعندما أصبحت الحلقات الدراسية والدعوة العلنية والاحتجاجات عصيةً عليهم، وجدوا منفذاً آخر ألا وهو الجهاد في سوريا.

على الرغم من عدم وجود التنظيم اليوم على أرض الواقع، إلّا أنّ دورهُ يعدّ أساسياً ومهماً في تجنيد المقاتلين للذهاب إلى سوريا. لا يزال أمر هذا التنظيم يلفّه الكثير من الغموض، فكيف تحوّلت مجموعة مهرجة من المشاغبين إلى دائرة ركيزة لتجنيد الإرهابيين؟ تنتظرُ هؤلاء المقاتلين العائدين من سوريا محاكمة مهمة قد تظهر لنا الكثير من الحقائق.