دور الجامعة العربية في حماية الحقوق المدنية والإنسانية للفلسطينيين في لبنان

بقلم: صبري حجير

يبدو أنّ الجدل المثار في لبنان بشأن الحقوق المدنية للفلسطينيين ليسَ مرتبطاً بالشعارات والتصريحات، وليسَ منسجماً مع المصالح القومية اللبنانية، بل إنّ تلك الإثارة الصاخبة، وهذه المواقف المعادية للحقوق المدنية والإنسانية الفلسطينية، في لبنان، تندرجُ في تصنيفات العنصرية المقيتة، حيثُ ترتقي في مداها الضيق الى العداء للإنسانية.
تداولت الألسنة، وتناولت الأقلام، في الفترة القريبة الماضية، موضوع الفلسطينيين في لبنان، من زاوية حقوقهم المدنية، وامتدّ هذا التداول ليشمل الحديث عن الوجود الفلسطيني في لبنان. لكن جميع الأطراف اللبنانية أبدت تأيدها المطلق لموضوع حقّ العودة للفلسطينيين. البعض لم ينطلق في موقفه هذا من مبدأ تحقيق الإنتصار على الكيان الإسرائيلي ممّا يسمح بتغيير دراماتيكي يحقق العودة للاجئين الفلسطينيين، بقدر ما ينطلق من أنّ لبنان لا تتسع جغرافيته وتوازناته الطائفية لاستيعاب الفلسطينيين المقيمين على أرضه منذُ أكثر من ستين سنة. فحقّ العودة ليس في متناول اليد، ولم يقف الفلسطينيون منه على حدّ الإختيار. البعضُ اللبناني لا يريد أن يعطي الفلسطيني حقوقه المدنية بدعوى أنّ الفلسطيني ينبغي أن يبقى عاريا هكذا، مجرد من أيةِ حقوق حتى لا ينسى قضيته. أو أن يهاجر من لبنان نحو الدول الغربية أو الدول النفطية. إذن تمسك البعض اللبناني باعطاء الفلسطينيين حقّ العودة ليسَ من منطلق الكسب التاريخي في الصراع العربي الاسرائيلي، بل لا يضير ذلك البعض لو أن عودة الفلسطينيين من لبنان تكون الى كندا أو أوروبا، أو أيّ بقعة أخرى في العالم. المهم ألاّ يبقى عندهم فلسطيني، وأن يصبح لبنان نظيفاً من الأغراب، فقط أن يبقى لبنان يتمتع بطوائفه المكونة وأحزابه المتناحرة.
الحقيقة أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يشكلون لذلك البعض اللبناني هاجساً موتراً ومنغصاً لحياتهم، كما يشكل للإسرائيليين، لأن الفلسطيني في لبنان متمسكاً بمخيماته، لأنها تعني له النكبة التي أحاقت بحياته منذُ أكثر من ستين عاماً، ولأنهم يخافون، مثلهم مثل الإسرائيليين، من تلك البندقية الفلسطينية المتمردة التي قد تعاود انطلاقتها عبر حدود لبنان من جديد.
يغضُ بعض اللبنانيين الرافضين لاعطاء الحقوق المدنية للفلسطينيين الطرف عن حقائق قانونية وشرعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، لأن القضية الفلسطينية قضية دولية بامتياز فإنّ اللاجئين الفلسطينيين يستظلون بنظام حماية القانون الدولي والعربي، حيثُ نصت الإتفاقيات والقرارات الخاصة بوضع اللاجئين الفلسطينيين، من قبل الأمم المتحدة، منذُ عام 1948- 1951 الى ضرورة أن تقدم دول اللجوء والدول المضيفة الحماية المطلوبة للاجئين الفلسطينيين، وأن تساعد في توفير الحياة الكريمة لهم، من جانبٍ آخر، أكدت الجامعة العربية على حقّ الفلسطينيين في العمل والعيش الكريم في بلدان اللجوء؛ حيثُ أشارَ بروتوكول معاملة الفلسطينيين في الدول العربية على ذلك بوضوح، فقد جاء في بروتوكول الدار البيضاء، الذي صدر بتاريخ 11 – سبتمر أيلول 1965 على أن يكون للفلسطينيين المقيمين في الدول العربية حقّ الإحتفاظ بجنسيتهم الفلسطينية، مع حقَهم في العمل والإستخدام إسوة بالمواطنين العرب.
لكنّ البعض اللبناني، بل كل اللبنانيين والعرب يعرفوا أن الفلسطينيين لن يقيموا في لبنان بملء إرادتهم، بل أنهم أجبروا على اللجوء الى بلد الأرز، ولبلدان العربية الأخرى بحكم الصلات العضوية والأخوية والعلاقات العربية والتاريخية التي كانت تجمع أهل بلاد الشام في دولة واحدة أيام الحكم العثماني، قبل الحقبة الاستعمارية المعاصرة التي رسمت على الأرض العربية اتفاقية سايكس بيكو والتي كانت النكبة الفلسطينية إحدى أهم نتائجها المؤلمة. إذن العالم بأسره، بما فيه لبنان والدول العربية، يتحملوا مسؤولية ذلك الحدث التاريخي الذي عصف في المنطقة العربية (النكبة)، والذي ما زالت تداعياته ماثلة الى هذه اللحظة.

في فلسطين، كان الفلسطيني يحتضن اللبناني والسوري، وتذكر الوثائق التاريخية الموثقة كما نقل د. خالد الخالدي - رئيس قسم التاريخ والآثار في الجامعة الإسلامية – غزة في إحدى دراساته "أنّ كثيرا من الإقطاعيين اللبنانيين قد باعوا من الأراضي والقرى الفلسطينية ما مقداره ستمائة وستة آلاف دنم للتجار اليهود" فهل يحاسب الفلسطينيون كل الشعب اللبناني على عملٍ قامَ فيه نفرٌ من اللبنانيين؟
في ظل غياب منظمة التحرير الفلسطينية عن ساحة الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني المدنية، وانغماس القائمين على المنظمة بالمحادثات المباشرة وغير المباشرة مع الإسرائيليين، فإنّ ثمة ضرورة لتذكير رئيس الجامعة العربية السيد عمرُ موسى بمسؤولية الجامعة العربية في تأمين الحقوق المدنية والإنسانية للفلسطينيين في لبنان، من خلال تفعيل بروتوكول الدار البيضاء لعام 1965 السابق الذكر. صبري حجير
كاتب فلسطيني مقيم في السويد sabri_hajir@hotmail.com