دوحة الديمقراطية والسلام في الدوحة!

بقلم: جواد البشيتي

في الدوحة، افْتُتِح المؤتمر الدولي السادس لما يسمى "الديمقراطيات الجديدة أو المستعادة". وقد ارتضت الأمم المتحدة أن يُنسب إليها فضل تنظيم هذا المؤتمر، الذي يكفي أن نمعن النظر في شعاره "الديمقراطية طريقنا إلى السلام" حتى نتأكد أن لا أهمية تُذكر له في قضيتي الديمقراطية العالمية والسلام العالمي، وكأن كاتبو الشعار هم من نمط أولئك الذين يعتقدون أن لكل عبارة معنى ما دامت سليمة نحويا كعبارة "أكلتُ ماءً مُثلَّثا"!
ولا شك لديَّ في أن هذا المؤتمر، الذي لا تشارك فيه نحو 110 دول (هي دول لم تعرف الديمقراطية بعد أو فقدتها ولمَّا تستعيدها) من اصل 192 دولة عضو في الأمم المتحدة، لن يُنْجِز أكثر مما أنجزته غيره من المؤتمرات الدولية "الخيرية" كمؤتمر "الحوار بين الديانات الثلاث"، فالغالبية العظمى من المشاركين في أعماله يناقشون الديمقراطية وهم ليسوا بديمقراطيين، والسلام وهم ليسوا بسلاميين. ويبدو أن المتوفِّرين على البحث في رائحة الشيء، عوضا عن البحث في ذات الشيء، قد ضربوا صفحا، في أثناء بحثهم في أوجه العلاقة بين الديمقراطية، التي هي الوسيلة، وبين السلام، الذي هو الهدف، عن حقيقة أنَّ المنظِّم الحقيقي للمؤتمر، وهو إدارة الرئيس بوش، قد تخلت، أو شرعت تتخلى، عن الديمقراطية (أو الإصلاح السياسي والديمقراطي) بصفة كونها طريقا إلى "الشرق الأوسط الكبير، أو الأكبر، أو الجديد" إذ تأكد لديه وثبت أن إحراز الولايات المتحدة لمزيد من الهيمنة الإمبريالية هنا، وفي أنحاء أخرى من العالم، والتي يطيب لها تسميتها "النصر على الإرهاب العالمي"، هو هدف لا يمكن بلوغه بوسيلة "الإصلاح الديمقراطي"، وإنما بوسيلة "الدولة الأمنية"، التي لا تعرف من "الإصلاح الديمقراطي"، إنْ عرفت، إلا ما يتفق، أو لا يتعارض، مع الضرورات الأمنية لمكافحة الإرهاب، ولكل ما قد يؤدي إليه وينتجه، فالأمن أولا، ولا بد، بالتالي، لمنسوب الحرية من أن يهبط حتى يعلو منسوب الأمن.
المؤتمر، وبحسب المقياس الحقيقي الذي نقيس به نجاحه من فشله، فشل حتى قبل أن يبدأ، فوزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني لم تجد في المؤتمر من فرص التطبيع لعلاقة إسرائيل مع العرب ما يغريها بالحضور والمشاركة، فـ "الديمقراطية الإسرائيلية" لم ترَ السلام، وإنما الحرب والعداء، في "الديمقراطية الفلسطينية" الممثَّلة في المؤتمر، كما لم يسر ليفني أن ترى الـ "لا ديمقراطية العربية" ممثَّلة في المؤتمر تمثيلا دون المستوى الوزاري، مع أنها ترى فيها طريقا إلى السلام!
لو حضرت ليفني لأُتيحت للوفود العربية فرصة الاستماع إليها وهي تشرح لهم، بصفة كونها ممثِّلة لدولة مشاركة، أبعاد ومعاني التجربة الديمقراطية الإسرائيلية، وكيف نجحت هذه التجربة في أن تؤسِّس لسلام ديمقراطي مع الفلسطينيين، الذين تشجعوا، فحاكوها، فكافؤهم بالحرب والحصار المالي والاقتصادي والسياسي الدولي!
ولو حضرت لأُتيحت لها فرصة الاستماع إلى وفود عربية عديدة وهي تشرح لها، وللعالم، ما أُنْجِز حتى الآن من إصلاحات ديمقراطية في دولها، وإن كانت تفضِّل "الشورى" على "الديمقراطية" تسميةً!
هل يحتاج المشاركون إلى من يقيم لهم الدليل على أن الديمقراطية الأولى والكبرى في العالم، وهي الولايات المتحدة، هي التي لا تستطيع العيش إلا في الحروب، وبالحروب.. وهي التي سوَّلت لها قيمها الديمقراطية القتل النووي لمئات الآلاف من البشر غير النوويين!
كان على هذه الدولة أن تأتي إلى المؤتمر لتشرح للمشاركين فيه تجربتها في جعل الديمقراطية طريقا ليس إلى السلام وإنما إلى الحرب، وإلى مزيد من الحرب. وكان على المشاركين من ذوي النيات الحسنة، على قلتهم، أن يستضيفوا "التاريخ" ليشرح لهم كيف نجحت "الديمقراطيات القديمة" في زج العالم في أتون حروب مدمِّرة!
وكان على المشارك العراقي أن يشرح للوفود المشاركة كيف نجحت الديمقراطية "الجديدة"، أو "المستعادة"، لا أدري، في نشر السلم الأهلي والأمن والاستقرار، وفي اجتذاب عقول وقلوب الملايين من العرب إلى تجربة "المثل الديمقراطي الأعلى"!
وكان على الوفد المصري أن يتحفظ من شعار المؤتمر، فطالما حاول الرئيس حسني مبارك أن يقنع إدارة الرئيس بوش بالشعار المغاير وهو "السلام هو الطريق إلى الديمقراطية"!
لقد دعوا إلى تعميم وتدويل وعولمة تجربة "الحكم الرشيد" في العالم العربي، وكأن التجربة الفاشلة عربيا يمكن أن تعطي نتائج مختلفة إذا ما جُرِّبت دوليا!
الديمقراطية الحقة في عالمنا العربي لن تكون أبدا طريقا إلى السلام الذي تريده الولايات المتحدة، والذي في خواصه لا يختلف عن الديمقراطية التي تريدها، أو كانت تريدها، لنا. إنها ستكون طريقا إلى جعل شعوبنا ومجتمعاتنا أكثر قدرة على مبادلة أعدائها عداء بعداء، وأكثر قدرة، بالتالي، على إحلال السلام الحقيقي. جواد البشيتي