'دنك أخير'.. وإشكالية العنوان

الولد البني المهذب أرخى أهدابه.. فجأة .. ونام!

• النص:

"دنك" أخير..

الولد البني الجميل

تحت التراب الآن

مع ابرة بوصلتي ..

وهمزة الوصل بالفرح

الولد البني الطويل

يختبىء صوته في فراغي

يلم ظلي المهشم

قبل ذلك

وبشكل ما.. علق ابتسامته

كصورة عائلية واكتفى

هذا..

الولد البني ذو العينين المصغيتين

لا ينسى شيئا

حشجرتنا تحت الوسائد

أصابعنا المعلقة بالدعاء

قلوبنا المتخثرة بالوقت

وثرثرتنا المنغمة

مع ذلك..

بلا تفسير

الولد البني المهذب

أرخى أهدابه.. فجأة .. ونام!

• الشاعرة :

الشاعرة سعاد سالم الحجاجي كاتبة هذا النص، حصلت على درجة البكالوريوس في الاقتصاد، وتواصل حاليا دراستها لتعلم وتحسين لغتها الإنجليزية، لها اهتمامات أخرى غير كتابة الشعر. فهى محررة صحفية كتبت عدة مقالات في عدد من الصحف المحلية والعربية أيضا.

وسبق وأن تولت مهام إدارة التحرير لمجلة "البيت" الليبيية في أواخر التسعينيات، كما تولت إدارة تحرير الملف الاقتصادي في صحيفة "الجماهيرية"، التي كانت تصدر عن إدارة المؤسسة العامة للصحافة، وعملت كمستشارة لاإذاعة اف ام الليبيية.

صدر لها عن دار المؤتمر في 2008 مجموعة شعرية "بن يتحمص جزر ممكنة"، وفي 2004 نشرت لها مكتبة طرابلس العلمية العالمية ديوان شعرها "الصدفة كل ما أنا".

* القراءة:

ان يشدك نص جميل فتقرأه مرة وتعيد قراءته مرة اخري، ثم تقرأه مرة ثالثة وتتركه، تظن أنك نسيته لتكتشف بعد حين انك حفظته، فتردد بعض ما فيه بود مبالغ، وتتذوق كل ما فيه من شاعرية ورقة وحس وموسيقى وجمال، ليصبح النص ملكا لك وحدك، تحبه كيف ما تشاء، وتقرأه كيفما تريد. حينها تكافي هذا النص الجميل فتقرر أن تكتب عنه بحسب الأصول.

• قراءة العنوان

"دنك أخير" هو العنوان الذي اختارته الشاعرة لنصها الرائع وهذا العنوان حيرني كثيرا، ولم يرق لي، وذلك لأنه لا توجد دلالة في العنوان تتعلق بمضمون النص، ففي النص كله لا توجد مفردة أو حالة تحمل العنوان أو حتى تلمح أو تشير إليه، وقد بدا العنوان وكأنه وحدة مستقلة بذاته، يعبر عن حالة أخرى، لا يعرفها القارئ، ولا علاقة لها بمجمل النص.

وهذه الاشكالية، أعني إشكالية وجوب ارتباط العنوان وعلاقته بالعمل الإبداعي الذي يشير اليه من عدمها، ليست مهمة للدرجة التي تمس جودة النص الشعري أو تقلل من قيمته، رغم أن الاميركية أن فيري في كتابها "عنوان القصيدة" تمنح العنوان أهمية وتعطيه سلطة أيضا فتقول: "إن موقع العنوان فوق النص يمنحه سلطة، لأنه يخبر القارئ الذي لم يقرأ النص شيئا ما عن هذا النص"، ويبدو أن سعاد اختارت أن يندرج عنوان نصها الشعري تحت ما يسمى في الادب بالعنوان الإهدائي، وهو نوع من أنواع العناوين المعروفة في الاعمال الإبداعية عامة، وفي مجال الأدب بشكل مخصوص، والعنوان الإهدائي كما يتبين من اسمه هو ما يُكرس لشرف شخص ما، قد تكون له علاقة بالنص أو لا تكون، ورغم ذلك كان يمكن للشاعرة أن تضع نجمة في رأس العنوان لتقول للقارئ في أسفل النص مثلا إن "هذا النص للولد البني الجميل، الذي كان بطلا من أبطال كرة السلة" عندها سيتخطى القارئ العنوان متوجها إلى النص مباشرة ويكون جاهزا للتفاعل معه أقصد مع العنوان وعلاقته بالنص.

• قراءة النص

يبدو لنا النص بمجمله وكأنه حالة وجدانية مفعمة بالحزن الشديد والأسى لفراق الولد البني الذي هو جوهر النص كله وفكرته المحورية، هذا الولد سيعرفه القاري من السطر الأول للنص، "الولد البني الجميل"، حيث تخصه في نبرة حزينة بالحب كله والاعجاب كله فهو كما ورد في النص على التوالي "البني الجميل"، و"البني الطويل"، و"البني ذو العينين المصغيتين"، وهو أيضا وأخيرا "الولد البني المهذب".

بعد أن يتعرف القاري على الولد البني، تخبره سعاد مباشرة بكل هدوء، وبكل الم في السطر الثاني، أنه قد مات "تحت التراب الآن"، فتضمن بذلك (أو تتوق) وهي تكتب سطور النص الأولى، أن يشاركها القاري وهو يقرا حالة الوقار التي تتملكها وهي في حضرة الحزن، وربما نجحت في أن تلزمه بذلك.

ورغم حالة الحزن الشديد لفراق شقيقها محمد سالم الحجاجي الذي أهدته النص، تختار الشاعرة اللون البني ليرافقه كلما ذكرته في النص، وفي هذا اختيار موفق فبالرغم مما يحمله اللون الأسود من دلالة عميقة رغم سلبيته، باعتباره رمزا للوقار عند البعض ورمزا للحزن عند آخرين، ولكنه من الألوان السلبية التي لا تفيد في الخروج من حالات الحزن، لذلك جاء اختيار البني موفقا جدا لأنه يرمز للاستقرار، والهدوء والعودة للطبيعة والاحساس بالتواضع وربما بالبساطة باعتبار البني لون للتراب، الذي يحتضنه محمد وينام تحته بهدوء!

تسترسل الشاعرة بعدها وهي تشكو مباشرة ًللولد البني، عن أحوالها بكلمات متعلقة بالذاكرة الحزينة، ونبرة صوت مميز داخل النص يحمل هما كبير بقولها "يختبىء صوته في فراغي"، هذه الومضة القصيرة المليئة بالاسى، ربما لا يحتملها القارئ، فكيف بأخته (الشاعرة) التي لا يزال (محمد) بأحواله المتعدده والمختلفة، مستقرا في ذاكرتها والتي خسرت بعد موته الحاضر والمستقبل، وهي معه.

وتواصل سعاد بث شكواها وتحدثه بحزن بل بحرقة والم، وكأنها تلومه لأنها من بعده تاهت، ولانه أخد معه بوصلتها "مع ابرة بوصلتي"، وكذا من بعده فقدت ما كان يوصلها للفرحة "وهمزة الوصل بالفرح".

ويعكس فعل البوح الذي ارتكبته الشاعرة ضمن متون النص مرارة الحزن الذي تعيشه بعد موت شقيقها ولم يعد يهمها الحاضر حين تشير الى ان فقدانه هشم ظلها "ظلي المهشم"، كناية عن الحاضر الملازم لها، كما فقدت المستقبل أيضا عندما قالت "مع ابرة بوصلتي" والتي ترشدها للسير صوب المجهول.

ويبدو أن سعاد قررت قطع نصها الشعري الى نصفين، في النصف الأول وفي سبعة أسطر تقريبا منه تتحدث عن حالها بعد موت شقيقها، وتصف في أكثر من عشرة أسطر هي النصف التاني للنص، شقيقها الذي نام بشكل مفاجىء ولم تنس أن تفصل بين النصفين بكلمة "قبل ذلك" لتعود الشاعرة وتصور لنا كيف كان الولد البني يعيش بينهم، وتبدع سعاد في ذلك أيما إبداع فتصف علاقتها الجميلة بشقيقها محمد باستحضارها صور متعددة للماضي القريب معه، ومع عائلتها، ومعها، وتنقلنا في سرد موزون، لتصف وبشكل جميل كيف أنهما كانا يتشاركان في فعل كل الأشياء الجميلة معا فتحضر بشكل مرتب في ذكرياتهم كأسرة سعيدة أو ذكرياتها لوحدها معه على النحو التالي "حشجرتنا"، "أصابعنا"، "قلوبنا"، وأخيرا "ثرثرتنا" تعكس مكانته عندها، وهذا يزيد من ألمها وفجيعتها ومصابها لفقدانه، ومما يزيد النص ملمحا جميلا أخّادا رغم مسحة الحزن والالم حين تفاجئنا آخر النص أن رحيل شقيقها كان على نحو مفاجئ فتختم النص بقولها "أرخى أهدابه.. فجأة ..ونام!".

وختاما .. فقد استطاعت الشاعرة سعاد الحجاجي، وفي لغة عربية شديدة الصفاء، وبمفردات معتدلة وذات قوة تعبيرية كبيرة تمكنت من خلالها وبحرفية من تطويع الكلمات القليلة لتحولها الى نص شعري جميل وقصير ومرن، ولكنه واسع المدى ويقترب كثيرا من المتلقي ويجبره على التفاعل معه لتحقق الشاعرة بذلك أهم ما يطمح الشاعر في الوصول اليه عندما يكتب نصا شعريا وينشره.

شكرا صديقتي سعاد على هذا النص الجميل، ورحم الله محمد رحمة واسعة وتزيد يقدر حبك ووفائك له.