دمشق: وساطة تتلو أخرى لإطلاق سراح أجانب

لندن- من علي الصراف
صحافي الأمة والوهن

يعتزم الرئيس السوري بشار الأسد القيام بزيارة عاجلة الى طهران، في ما يبدو انه وساطة لاطلاق سراح المعلمة الفرنسية كلوتيلد ريس. ولكن هذه الوساطة تثير غصة في نفوس سوريين يعرفون ان لديهم معتقلين يستحقون معاملة إنسانية مماثلة.
المصادر الرسمية السورية لم تقل شيئا عن موضوع زيارة الأسد الى طهران، بل أنها لم تأت على ذكرها أصلا، بينما تولت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية الكشف عن الاستعدادات لإجرائها.
وكانت هذه الوكالة قالت أن الرئيس الاسد سوف يزور إيران لمدة يوم واحد الاسبوع القادم. ونقلت عن سفير ايران لدى سوريا قوله إن الأسد سيتوجه قريبا جدا الى ايران "للبحث في الاوضاع الاقليمية والازمة النووية الايرانية والعلاقات الثنائية".
ولكن الربط بين "البحث في الأوضاع الأقليمية" وبين البحث في أوضاع المعلمة الفرنسية جاء من عدة إشارات فرنسية اكدت اهتمام فرنسا بدور سوري من إجل تأمين إطلاق سراح الشابة التي كانت تقوم بتدريس الفرنسية في جامعة أصفهان.
إذ اقرت باريس بانها طلبت مساعدة دول يمكن ان يكون لها "نفوذ" على ايران للتوصل الى اطلاق سراح الفتاة، منوهة بصورة خاصة الى سوريا "حليفة ايران في العالم العربي".
وقال بيان صدر عن الرئاسة الفرنسية ان ساركوزي "يشكر دول الاتحاد الاوروبي ودولا اخرى صديقة مثل سوريا، على التضامن والدعم اللذين قدمتهما وتواصل تقديمهما لنا".
وسبق لفرنسا أن خصت سوريا بالشكر الاسبوع الماضي عند اطلاق سراح نازك افشر الموظفة الفرنسية الايرانية في سفارتها في طهران والتي اعتقلت لمشاركتها ايضا في التظاهرات.
وفي اجواء الاستعداد للزيارة، قررت طهران منح الحرية المشروطة للشابة ريس. واعلن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في بيان ان فرنسا وافقت على دفع كفالة وعلى "ايواء" ريس (24 عاما) في السفارة الفرنسية في طهران الى حين صدور الحكم بحقها.
وتم توقيف الشابة الفرنسية في مطار طهران في الاول من يوليو/تموز فيما كانت تستعد للعودة الى باريس مع انتهاء عقدها في اصفهان، واحتجزت منذ ذلك الحين في سجن ايوين بطهران الذي وصفه كوشنير بانه "سجن لا يحتمل".
وبينما تحاول سوريا ان توثق علاقاتها مع فرنسا، بعد قطيعة دامت لعدة سنوات، فان إيران، باستجابتها للوساطة السورية تحاول من جانبها ان تعزز مواقع حليف تعتبر انها قد تكون بحاجة الى خدماته إذا اشتدت الضغوط فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني. فوجود طرف يستطيع أن ينقذ سجناء في قضايا تتعلق بالحريات العامة وحماية الغربيين، لا بد وان تكون كلمته مسموعة عندما تسخن "الحديدة" في القضية الوحيدة التي تشكل حجر عثرة بين إيران والغرب.
وليس من المستبعد أيضا ان تمتد الجهود الانسانية للرئيس الأسد لتشمل الاميركيين الثلاثة الذين تحتجزهم طهران بعد اتهامهم بتجاوز الحدود، من العراق، بصورة غير شرعية.
وللأميركيين وسائلهم وادواتهم الكثيرة "للتحاور" مع إيران. فالعراق مليء بالمتبرعين للعب دور في إيصال الرسائل. ولهذا السبب، يبدو ان الاميركيين لم يعملوا من الأمر "قصة"، حتى الآن على الأقل. ولكن لو ضاقت السبل، فان دمشق ستكون سعيدة بالوساطة، كما ان طهران ستكون أسعد بان تجعل من حظوة حليفها تمتد لتتسع من باريس الى واشنطن.
وبصرف النظر عن دوافعه وأغراضه السياسية المشروعة، فدور الوساطة هذا، يبدو نبيلا ويستحق التشجيع. سوى أن الأمر يثير مشاعر غصة لدى اوساط المثقفين السوريين. فثمة في السجون السورية معتقلون لا يتوسط من اجلهم أحد. وهذا الأمر يوحي وكأن سوريا تميز بين أبناء الست وأبناء الجارية.
وفي مقابل الإرتياح الذي تثيره وساطة الرئيس الأسد من اجل إطلاق سراح كلوتيلد ريس، فإن السؤال الذي يثيره المعنيون بحقوق الإنسان في سوريا هو: من يتوسط لنا عنده لإطلاق سراح فايز سارة؟
وفايز سارة كاتب وصحافي وباحث سوري أعتقل في 3/1/2008 واقتيد الى جهة مجهولة، ولم يظهر امام المحكمة إلا لمرة واحدة. ويبدو ان جريمته هي انه، مثل بعض الآخرين، "أصاب نفسية الأمة بالوهن" بمقال كتبه او بانتمائه لمنظمة تدافع عن الحريات السياسية.
وقول أي شيء يؤدي الى "إصابة نفسية الأمة بالوهن" جريمة يعاقب عليها القانون بأحكام مفتوحة قد تمتد من ثلاث سنوات الى ما لا نهاية.
وما لم يثبت ان "نفسية الامة" وهنت لأسباب أخرى، فان القضاء العسكري سيظل يعتبر فايز سارة هو المسؤول عن ذلك الوهن.
وكانت السلطات السورية أطلقت سراح الكاتب والصحافي المعارض ميشيل كيلو في 19 مايو/أيار الماضي، إنما بعد أن امضى محكوميته كاملة، بتهمة مماثلة.
والى جانب سارة، ما يزال هناك معتقلون آخرون لعبوا دورا في إحداث نفس "الإصابة" في "نفسية الأمة"، ومن بينهم علي العبدالله وأكرم البني والمهندس نزار رستناوي والمحامي أنور البني ومصطفى جمعة ومشعل تمو وآخرين.
وليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانت "نفسية الأمة" قد تحسنت باعتقالهم. إلا ان هناك دليلا واحدا على الأقل على إنسانية حكومتهم، هو انها تتعاطف مع حقوق وحريات الشابة ريس.
وهي ستظل تلعب دورها الإنساني بالتنسيق مع طهران وباريس حتى يأتي من يتوسط لديها لاطلاق سراح المعتقلين في سجن عدرا، الذي لا يعرف كوشنير شيئا عنه.
ولكن، ما لم يأت وسيط لديه أسباب إنسانية، فان فايز سارة سيظل يدفع ثمن "الوهن الذي أصاب نفسية الأمة".