دلالات الرموز والأساطير الكنعانية في 'صخرة نيرموندا'

سرد تسجيلي لمدينة يافا

عمان - رواية التشكيلي والروائي الأردني بكر سباتين "صخرة نيرموندا" الصادرة حديثا عن "الآن ناشرون وموزعون" في عمان تختزل الوجع الفلسطيني وتعود به إلى أسباب النكبة ما قبل عام 1948 لتعريف الأجيال اللاحقة بتداعيات الهزيمة من أجل تشخيص حالة التشرذم العربي وتهميش الحق الفلسطيني، ووضع اليد على الجراح بتوصيف ما يعانيه العقل العربي من هزيمة واضطراب.

في الرواية بحث جاد ودقيق عن تفاصيل ومعالم مدينة يافا، وتحمل رؤية إنسانية من خلال بطلها سعد الخبايا الذي دأب طوال حياته على البحث عن الحب المستحيل ليذوب في الموت عشقاً بحب يافا الفاتنة وأميرتها الأسطورية "نيرموندا" التي أسرها الغزاة بربطها على صخرة حملت اسمها، لتمنحه طاقة الانبعاث حتى يتمسك بحبه الواقعي لبلقيس التي خرجت له من خبايا الأرض.

وتبدأ رحلة البحث عن حبه من خلال تقصيه لحقيقة الطفلة عبير التي شحذ لها السكين لتخبره مرتعدة بأن والدها يريد ذبحها بها، فتتشعب رحلة البحث هذه لتغرق بطل الرواية في هموم المدينة وتداعيات سقوطها في يد الصهاينة، وخاصة أنه اتهم بثلاث جرائم مترابطة.

ويمكن إدراج الرواية في خانة "الواقعية السحرية" نظراً للغتها السردية المليئة بالصور الشعرية المبهرة، واحتفائها بالأساطير والرموز الكنعانية واليهودية ذات الدلالات الإنسانية والتاريخية، وتوظيف طائر الوقواق في تحديد ملامح المحتل برؤية فنتازية ولغة سردية شعرية سهلت على الراوي التنقيب في الأعماق ووصف مدينة أعدمت ملامحها.

وعلى غلاف الرواية أشار الشاعر سعد الدين شاهين بأنها "رواية ملحمية محكمة البناء، تضج فيها الحياة عبرَ أزمنةٍ متداخلة، وأمكنة متشظية، فتستيقظ حكاية الأميرة نيرموندا كي تبعثَ في البطل المحبط سعد الخبايا طاقة الصمود والانبعاث، من خلال حبه لبلقيس، كتبت الرواية بلغةٍ سرديةٍ مدهشة، تمازج فيها البوح بالصور الشعرية المفعمة بالرموز الكنعانية واليهودية، وقد حلق في سمائها عنصر التشويق المجنح بالخيال".

فيما لفتت الكاتبة مجدولين أبو الرب على الغلاف أيضا "على مدى حوالي سبعين عاماً، بعد نكبة 1948، ظلت ذاكرة مدينة يافا مشتعلة، وها هو بكر السباتين في "صخرة نيرموندا" يعيد صياغة ذلك الواقع البهي الذي شهدته المدينة قبل النكبة، لنستعيدها في أذهاننا مدينة حيّة، وحالة حضارية مشرقة.

وأكثر ما يلفت النظر في هذه الرواية هو التسجيليّة المذهلة للمكان والزمان، إذ نعيش فيها تفاصيل تثير الدهشة، فنتجول في أحياء يافا وحاراتها، بحرها ومينائها، جلبة السفن وحركة البحارة والعمّال، أسماء الشوارع بمنعطفاتها ونواصيها، محلاتها، مساجدها وكنائسها ومدارسها، ونشهد حراكها الاجتماعي والوطني، والتعددية الإثنية والطائفيّة، ومحاكم الانتداب التي لا همّ لها سوى تجريم الفلسطينيين فيما تحمي هجرة اليهود غير الشرعيّة".

وكتبت عن الوصف الذي استعرضه الكاتب لمدينة يافا "يدخلنا السباتين بيوتَ يافا الحجريّة بسقوفها المائلة المسقوفة بالقرميد الأحمر، ونقف على شرفاتها المطلّة على البحر والمزخرفة بالمشربيات، لنرى صخرة نيرموندا قبالة جبل القلعة. وقد برع الروائي في الوصف حدّ الدّهشة، حتى إن أريج برتقال يافا يعبق في ثنايا صفحات الرواية، هنيئاً ليافا هذا الحضور، فثمة مَن يحفظها في قلبه وذاكرته، يستلها مِن قلب زمن مضى ومخالب تفترسها، لنعيشها مدينة حيّة تتنفس".

الروائي والتشكيلي بكر السباتين عضو رابطة الكتاب الأردنيين، واتحاد الكتاب العرب، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، يكتب في عدة مواقع وصحف عربية، وله العديد من المؤلفات السياسية والعلمية والأدبية منها: "علم المخازن"، "ثلوج منتصف الليل"، "اختفت مهيرة "، "الرحيل إلى الذاكرة الأخرى"، وغيرها.