دكتوراه، من خلف قضبان السجن

القاهرة - محمد جمال عرفة
مجرد طلبة دراسات عليا

حصل الطبيب سيد هيكل أحدث معتقل سياسي للإخوان المسلمين على درجة الدكتوراه داخل سجنه لينضم إلى العشرات من المسجونين السياسيين من التيارات الإسلامية والقومية الذين حصلوا علي الماجستير أو الدكتوراه داخل السجون المصرية في السنوات العشر الأخيرة.
فبعد حوالي ستة أشهر علي حصول المعتقل السياسي الدكتور زغلول العشماوي عضو جماعة الإخوان المسلمين الذي يقضي حكما بالسجن خمسة أعوام بموجب حكم للمحكمة العسكرية المصرية في القضية التي عرفت باسم (نقابي الإخوان المسلمين) على درجة الدكتوراه في الجراحة العامة من داخل سجنه، حصل زميله في السجن ونفس القضية الطبيب سيد عبد العظيم هيكل علي درجة الدكتوراه في الجراحة العامة من كلية طب جامعة المنيا (جنوب مصر) بعدما قضي أكثر من عامين في السجن حيث يقضي عقوبة الحبس ثلاثة أعوام، وينتظر أن يطلق سراحه في تشرين الأول/أكتوبر القادم 2001.
الملفت للانتباه أن معتقلي الإخوان وأصدقاء المعتقل وعائلته نشروا إعلانات تهاني في الصحف المصرية يهنئون فيها الدكتور هيكل باعتباره عضوا في مجلس نقابة الأطباء وعضوا في عدد من الجمعيات الخيرية، وأطرف ما نشر إعلان أوردته صحيفة (أفاق عربية) في عددها الأسبوعي الأخير الصادر الخميس الماضي، جاء فيه: "النقابيون بسجن ملحق مزرعة طرة يهنئون أخاهم الدكتور سيد هيكل بالحصول على درجة الدكتوراه في الجراحة مع أطيب التمنيات بدوام التوفيق". دكتوراه بين أسوار السجون المعروف أن مصر تكاد تنفرد بأنها الدولة التي تشهد منذ أوائل التسعينيات ظاهرة إقبال السجناء السياسيين الإسلاميين على الدراسة من أجل الحصول علي الماجستير والدكتوراه خصوصا أن العديد من هؤلاء المسجونين السياسيين هم من حملة المؤهلات العليا.
ولم تعد مفاجأة لطلاب كليات جامعات مصر أن يشاهدوا من حين لأخر أحد الأشخاص وهو يدخل إلى كلياتهم تحت الحراسة المشددة وهو بصحبة سيارات الحراسة المدججة بالسلاح لحضور مناقشة رسالة الماجستير أو الدكتوراه، بعدما أصبحت هذه الظاهرة شبه مألوفة في الجامعات المصرية في السنوات الأخيرة بسبب اتجاه عدد كبير يقدر بالعشرات من قيادات وأعضاء جماعات الإخوان والجهاد والجماعة الإسلامية لتطوير وتعميق دراستهم والاتجاه إلى الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) وموافقة وزير الداخلية المصري علي السماح للمسجونين بمناقشة رسائلهم.
والمسجون قبل الأخير الذي حصل على درجة الدكتوراه – قبل الطبيب سيد هيكل - في مجال الجراحة العامة هو السجين سعد زغلول العشماوي أحد المسجونين من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بعد أن منحته لجنة علمية رسمية ناقشت الرسالة داخل جدران السجن في الثالث من أيار/مايو الماضي.
وزغلول هو الأمين العام لنقابة أطباء القاهرة السابق، وقد أدين أمام محكمة عسكرية مصرية عام 1999 ضمن 20 من النقابيين الإخوان بتهمة إحياء تنظيم جماعة الإخوان المسلمين التي يحظر القانون نشاطها في مصر، وقضت المحكمة بحبسه خمس سنوات، وقد حضر المناقشة عدد من زملاء السجين الدكتور زغلول وأقاربه.
وقد سبق زغلول وهيكل عدد كبير يقدر بالعشرات من السجناء السياسيين في الحصول على درجتي الماجستير أو الدكتوراه، بعضهم بين جدران السجون وآخرون سمح لهم بالخروج لمناقشة رسائلهم، ومن هؤلاء كان الباحث السياسي كمال السعيد حبيب، الذي قضى عقوبة الحبس عشر سنوات لاتهامه في قضية اغتيال الرئيس السادات حصل خلالها على درجة الماجستير في العلوم السياسية أثناء حبسه.
ومن أشهر المسجونين (طالب الدكتوراه) طارق الزمر شقيق ضابط المخابرات الأسبق عبود الزمر أحد قادة تنظيم الجهاد، وأحد المتهمين الرئيسين في قضية اغتيال الرئيس السابق السادات والمحكوم عليهما معا بالمؤبد (أنهيا العقوبة رسميا في تشرين أول/أكتوبر 2001 ولكنهما في حكم المعتقلين إداريا)، حيث ناقش طارق في أيار/مايو 1999 وسط حراسه غير عاديه بكلية الحقوق بجامعة القاهرة خطة البحث الذي قدمه لمشروع الدكتوراه في القانون تحت إشراف الدكتور عاطف البنا أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة.
أما موضوع الرسالة المثير فيدور حول "ممارسة السلطة في الأنظمة الحاكمة المختلفة: ليبرالية وشمولية وإسلامية"، وقد حاز على موافقة لجنة المناقشة وبقي أمام طارق قرابة أربع سنوات لإنهاء رسالته ومناقشتها مضي منها نحو عامين.
وكانت هذه الظاهرة قد لفتت الأنظار، ليس فقط بسبب الكم الكبير من المتقدمين من أعضاء وقادة الجماعات الإسلامية المصرية وبعض الناصريين لنيل الماجستير والدكتوراه، ولكن أيضا لأن غالبية المسجلين للدراسات العليا اختاروا موضوعات غير فقهية على غير المتوقع.
فقد أختار السجين محمد طارق إبراهيم المسجون أيضا على ذمة قضية اغتيال السادات ويقضي حكما بالسجن 20 عاما (أدب الأطفال) ليكون موضوع رسالته للدكتوراه بعدما حصل على الماجستير في نفس التخصص في كانون الثاني/يناير الماضي.
واختار حسن الغرباوي المسجون منذ عام 1988 القانون ليحصل على درجة الدكتوراه فيه، أما عاصم عبد الماجد فقد حصل على الماجستير في الهندسة من جامعة أسيوط، وتقدم للحصول على الدكتوراه في القانون في التخصص ذاته.
وقد تمكن عدد كبير من السجناء السياسيين المصريين سواء من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين أو "الجهاد" أو الجماعة الإسلامية أو السجناء الناصريين من الحصول على مؤهلات جامعية إضافية أثناء فترة حبسهم، ومنهم الدكتور عصام العريان القطب الإخواني البارز والأمين العام المساعد لنقابة الأطباء الذي حصل على ليسانس أصول الدين من جامعة الأزهر وكذلك ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة أثناء فترة حبسه لمدة خمس سنوات في قضية عسكرية للإخوان. حق مشروع للمسجون
ويقول الدكتور عاطف البنا معلقا على هذه الظاهرة أن هناك شقين قانوني وسياسي: وبالنسبة للشق القانوني، فهذا حق مشروع للمسجون، لأن التعليم والدراسة حق لكل مواطن، وليست هناك قاعدة قانونية تمنعه من ذلك، حتى ولو كان عليه حكم بالإعدام، فهذا لا يتعارض مع كونه ارتكب عملا ما غير قانوني.
أما من ناحية الشق السياسي العام، فهذه ظاهرة طيبة – كما يقول الدكتور البنا – لأن من ارتكب جريمة سيخرج للحياة بعد قضاء المدة، وتحصينه بالعلم يجعل له مشاغل مفيدة خاصة من هم متهمون في قضايا سياسية، إذ أن القراءة ستجعل هذا الشخص يشعر في النهاية أن الأمور نسبية.
من جهته يشرح منتصر الزيات المحامي الشهير، الذي تولى الدفاع عن غالبية المتهمين في قضايا الجماعات الإسلامية أسباب لجوء هؤلاء المسجونين إلى الدراسات العليا قائلا إن أحد أسباب لجوء الكثير منهم إلى دراسة العلوم غير الفقهية يعود لرفض إدارة السجون، وبالتالي يلجأون إلى الدراسات العلمية، مذكراً بأن الكثيرين منهم رفعوا قضايا ضد وزارة الداخلية المصرية كي يتمكنوا من استكمال دراساتهم العليا، بل إن البعض مثل عاصم عبد الماجد طلب في إحدى الدعاوى السماح له بدخول معامل كلية الهندسة لاستكمال دراسته.
يذكر أن قانون تنظيم السجون المصرية رقم 396 يسمح باستكمال الطلبة لدراساتهم في مختلف المراحل داخل السجون، وتعقد من حين إلى آخر جلسات امتحان للمواد الدراسية المختلفة بيد أن طلبة الجامعات يسمح لهم بالانتقال بين لجان الامتحان في حراسة مكثفة وفي بعض الأحوال لا يسمح لهم مما يؤدي بهم للتقدم بطلبات إجازة من الامتحان أو رفع الأمر للقضاء.
ومنذ مبادرة قادة الجماعات الإسلامية السلمية عام 1997 وإعلانهم نبذ العنف، انعكس هذا على استجابة وزارة الداخلية المصرية في عهد الوزير الحالي حبيب العادلي – وهو رئيس جهاز مباحث أمن الدولة السابق، وسبق أن حضر بنفسه مناقشات الماجستير لبعض المسجونين – لطلبات البعض باستكمال دراساته العليا. (ق.ب.)