دفاعا عن 'الميت' غازي القصيبي!

بقلم: عدنان فرزات
من خلَّف ما مات

لم يكن الأديب د. غازي القصيبي سيحتاج إلى هذه المقالة، لو أنه كان حيا، فهو أقدر على الدفاع عن نفسه، بل إن هذه الكلمات ربما ستكون أرحم وقعاً من كلماته لو كان هو الذي يمسك الآن بالقلم، ويصوب ريشته الساخرة صوب كاتب انتقص ـ بمرارة ـ من قيمته الأدبية، أو لربما أن القصيبي كان سيقرر "تطنيشه".. لا أدري!
اقول عبارة "بمرارة"، كون النقد جاء قاسيا عقب رحيل القصيبي بأيام، بل وفي مناسبة قيل أنها "تأبين للراحل".. أي كمن يفتح التابوت على ميت اثناء سير الجنازة. وبمعنى آخر هو نقد لا إنساني، ولو كان هذا النقد موضوعيا، أو لو كان حال حياة الراحل، فالأمر سيكون طبيعيا.
هذا النقد قدمه الكاتب مظاهر اللاجامي في ورقة ضمن منتدى أقيم بالقطيف (بالسعودية) أطلق عليه "حوار الحضارات". العنوان في واد والقصيبي في واد آخر! وقرأت الورقة في موقع "الميدل إيست أونلاين" (4/9/2010)، وطبعا فإن ناقل النقد هنا ليس بناقد، أي لا يحمل وزر ما جاء فيه، كما أنني قرأته على صفحة في الفيسبوك للدكتور ساجد العبدلي الذي نشر المقال متسائلاً: "أين كان هؤلاء حين كان القصيبي حياً".. تساؤل مشروع.
وقبل ان أعلق، أقتطف مقطعا من هذه الورقة، يقول اللاجامي: ".. فلن أنعي فيه الشاعر والروائي والكاتب بكلمة نعي واحدة، بل سأنعي فيه الإنسان فقط، ليس لأنه لا يستحقّ الرثاء بل لأن القصيبي لم يمت أدبياً في 15 أغسطس 2010، ففي التاريخ المذكور كان رحيله فعلياً، أما أدبياً فكان رحيله قبل ذلك بكثير. ففي الشعر ولد القصيبي لكنه مات في مرحلة المراهقة، فقد كان يبني قصيدته بأدوات المنجز ولغة المألوف ولم يستطع أن يجترحَ مشروعه الشعري الخاص ويمتلك صوتاً مختلفاً في سياق الشعر، إن كان عربياً، أو حتى كان سعودياً، إلا إن ديوان (معركة بلا راية) أثار إشكالاً على أعلى المستويات في عام 1970 حين صدوره، لكن الإشكال لم يكن من طبيعة أدبية وجمالية وأسلوبية، بل كان من طبيعة أخلاقية حيث النظرة السائدة للأدب في السياق السعودي ما زالت عند شرائح كبيرة منه هي أن الأدب فعالية وعظية وصيغة من صيغ الإصلاح الاجتماعي، ففي ذلك العام سارت الوفود للملك فيصل كي يُمنع الديوان من التداول ويُحاسب الشاعر إلا إن الرد جاء من مستشاري الملك فيصل بأن الديوان لا يحمل ما يستوجب المنع والمحاسبة".
وعلى هذا المنوال يسير اللاجامي في بقية الورقة، معتبراً، أو ملمحاً، بشكل مباشر او غير مباشر أن شهرة القصيبي جاءت من خروجه عن النظم والأقانيم الثابتة، وليس كونه مبدعا قال ما لم يقله الأوائل. هكذا بجرة تسرع ألغى الكاتب تاريخا حافلا لرجل "مؤسسة". أي أن القصيبي الإنسان هو الذي مات منذ أسابيع، وأن الذي ترك وراءه عشرات المؤلفات ما بين شعر ورواية ومقالة وإدارة، ثم جمع كل هذا الجمهور العربي والأجنبي من حوله، وخاض صراعات دفاعاً عن أفكاره من الصعب على أي شخص في موقع وزاري أو حتى مدير جمعية تعاونية أن يخوضها، خشية أن يخسر منصبه.. قد مات من زمان؟ فلا أدري كيف لميت أدبي قضى روحه في أول الطريق أن يستمر في إنتاج كل هذه المؤلفات؟! ولو كان الأدب بالنسبة له ليس فكرا ورسالة تنويرية، وإنما مجرد محسنات بديعية، لقال معلقات في المدائح البشرية.
من الصعب أن نختصر الدفاع عن د. غازي القصيبي، بمقالة من بضعة أسطر، ولكن هي كلمة تنويهية فقط، لأن القصيبي لا يحتاج إلى من يدافع عنه. فأعماله تدافع عنه، حتى وهو ميت ـ كإنسان لا كأديب ـ لأن "مَن خلّف ما مات". (القبس ـ الكويت 16/9/2010). عدنان فرزات Farzat11@hotmail.com