دعوة مغربية إلى صحافة حرة سقفها المسؤولية

الدار البيضاء (المغرب)
أين تبدأ حرية الصحافة وأين تنتهي؟

بعد ندوته الأولى حول "الحرية واستتيكا الإبداع" التي عقدها نادي القلم المغربي، كان الموعد الثلاثاء مع موضوع "حرية الصحافة بين الحق والمشروعية".
وترأس اللقاء الدكتور شمس الدين بلقايد والذي مهد له بورقة مفصلة بالأرقام والمعطيات عن الصحافة المغربية ومن خلال نماذج اقتصر فيها على الصحافة الأسبوعية في السنوات العشر الأخيرة.
بعد ذلك افتتح باب المداخلات عبد الرحمن غانمي (استاذ جامعي) الذي اعتبر الحرية من حيث المبدأ، ضرورة حضارية وتاريخية لكل المجتمعات والدول و تسمح بتفتق التفكير العقلاني وإشاعة جو من الاختلاف والحيوية، وتزداد أهمية الحرية في هذا العصر المضطرب، لذلك ناصرها مفكرون وفلاسفة وأدباء، من أجل أن تصبح واقعا حيا.
وأضاف "بان حرية الصحافة في بلادنا لا يمكن أن تنتعش إلا ضمن فضاء أوسع للحرية وسط المجتمع وفي السياسة والثقافة وغير ذلك من المجالات، أي أنها لا يمكن أن تكون معزولة عن محيطها العام".
وقال أيضا "وبغض النظر عن معيار الحكم على درجة الحرية في بلادنا، هل هي حرية مقيدة أم حرية مشاعة؟ فإن الكثير من الحقوق على هذا الصعيد لم تمنح وإنما جاءت من خلال العديد من التضحيات السياسية والإعلامية والحقوقية على امتداد عقود، لعبت فيها الصحافة دورا رياديا جعلها معرضة للرقابة والحجز والمضايقة والمنع ومحاكمة واعتقال صحافيين ومؤسسات إعلامية، أي أن العديد من الفعاليات عملت على تدعيم هذه الحرية ولم تنتظر من يؤشر على ذلك".
واستطرد غانمي "وفي هذا الخضم يمكن أن نتساءل كيف كانت الصحافة تسعى إلى تكريس هذه الحرية بعيدا عن تلك القوانين والممارسات التي تستهدف المس بهذه الحرية، وفي ذات الوقت تقوية دعائم الشعور بالمسؤولية، أي الحرص على عدم توجيه هذه الحرية في اتجاهات مناقضة لما يمكن أن تلعبه إعلاميا واجتماعيا وسياسيا".
ثم انتقل الباحث بعد ذلك الى انه لا يمكن أن نجادل في أن حرية الصحافة حق من حقوق الإنسان للمجتمع ومختلف الفاعلين، وفي ظل هذا المبدأ يمكن أن نتحدث عن تحديث المجتمع وتقدمه وملامسة مدى استعداد الأجهزة الإدارية للسلطات والدولة للانفتاح والقبول برحابة صدر ما يترتب عن هذه الحرية من انتقاد وجرأة ومساواة أمام القانون ومراقبة وغير ذلك".
وأضاف عبد الرحمن غانمي "وبدون أدنى ريب فإننا لا يمكن إلا أن نؤكد على أن حرية الصحافة عنصر أساسي للديمقراطية لكن هذه الحرية ينبغي أن تكون مقرونة بالمسؤولية الذاتية والجماعية، حتى لا يتم تحريف هذا الحق في الحرية المتنازع حوله بين قوى الارتداد وقوى الإصلاح والتغيير والتطور، في اتجاه لبث الإشاعة واستغلال هذه السلطة لتصفية حسابات أو الانتقام من فرد أو جهة ما أو للتغطية على ملفات الفساد، أو أن تكون رهينة للوبيات "مالية" وسياسية واقتصادية وسلطوية فاسدة ومدمرة، أو لزرع الفتنة والإضرار بالمصالح الوطنية، أو المس بكرامة الأشخاص وحرياتهم الشخصية لتحقيق الإثارة على حساب الآخرين ودون مراعاة المبادئ السامية التي من المفروض أن تكون القاسم المشترك بين مختلف الفاعلين في هذا الحقل، رغم أنه من حق كل الفاعليات أن تعبر من خلال منابرها عن رؤاها وتوجهاتها دون أن يلغي ذلك أو يتناقض مع الحق في التعبير وتناول العديد من القضايا والملفات بصوت عال لكنه يتسم بالشفافية والوضوح والموضوعية في إطار الهوية الوطنية المتنوعة والديمقراطية، نظرا لخطورة وتأثير هذا القطاع".
وقال أيضا "ومثلما تتسبب الكثير من المواقف والممارسات والإجراءات الزجرية والقمعية في تكميم الأفواه والنيل من حرية الرأي والكلمة ونقل الخبر وفضح ملفات الفساد، فإن هذه الحرية ذاتها قد يتم إفراغها من محتواها، إذ غدت بدورها وسيلة لإجبار الناس على الصمت والخوف عبر الاضطهاد الفكري واستغلال الصحافة للابتزاز والتدمير الذي قد يطول الأشخاص والمؤسسات، وهو ما يطرح إشكالية أساسية تتمثل في السؤال التالي : أين تبدأ حرية الصحافة وأين تنتهي؟".
وأضاف غانمي "كل هذا من أجل توفير أسباب الحماية والتمنيع للمؤسسات والجسم الإعلامي برمته وبكل مكوناته، وأيضا للمجتمع بكل فئاته ومؤسسات الدولة وغير ذلك، في ظل واقع معقد كثيرا ما يقود إلى انزلاقات لا يمكن الاستهانة بمضاعفاتها.

المداخلة الثانية تقدم بها الشريشي المعاشي (باحث ورئيس نادي القلم)استهلها بالبحث في مفهوم الحق مؤكدا على اختلافه باختلاف المنظورات والمرجعيات الفكرية والفلسفية، كما ربطه أيضا بالأنساق الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية، ورغم تعدد مفاهيم الحق فانه يبقى تلك الصفة الملازمة للإنسانباعتباره ذاتا عاقلة حرة تمكنه من تحقيق ما يريد.
إن التحديدات كما يقول الشريشي تفضي الى الإشكال التالي وهو على أي أساس يقوم الحق، هل على ما هو طبيعي أم ما هو ثقافي؟هل ينهض الحق على حق القوة أم على قوة الحق؟
وفي مرحلة اخرى من بحثه في تمحيص المفهوم فلسفيا عاد للبحث فيه قانونيا عارضا للاتجاهات المتعارضة للخلوص في النهاية الى أن ثراء المفاهيم هو من حياتها الطويلة في حقول عدة وفي انفتاحها المستمر على الاختلاف.
أما المتدخل الثالث في هذا اللقاء فهو فارس الحمري (جامعي بأمريكا وباحث في تشكل المفاهيم) وقرئت مداخلته بالنيابة،وقد تناولت تجليات أربعة مفاهيم في الحقل المغربي (الحرية والصحافة والحق والمشروعية) متفحصا وجودها منذ 1908 عبر مصادر الدساتير المغربية والظهائر والمراسيم من جهة، ثم صداها في تفكير المغاربة من جهة أخرى.
والأطرف في هذه المداخلة أنها أعادت إلى الذهن لغات وأفكار استثمرتها مداخلة الباحث الدكتور الحمري في خلاصات منها أن تشكل هذه المفاهيم ما زال مستمرا ولا مستقرا، ولم يأخذ بعد شكله النهائي رغم انفتاحه على مصادر تعود إلى ما هو أخلاقي وسياسي وقانوني وديني وثقافي أومن الثقافة الفرانكفونية أساسا.
واهتم عبد الحق ناجح (باحث) بالواقع والمسؤولية ممهدا للموضوع بخمسة أسئلة اعتبرها مؤطرة،وتمثلت في: هل تمثل الصحافة فعلا سلطة داخل منظومة السلطة المتحكمة؟ وما مدى مصداقية العمل الصحفي مع انعدام مصادر الخبر؟ وهل يضمن قانون الصحافة حق ممارسة المهنة كما هي متعارف عليها دوليا؟ وفي نقطة رابعة يطرح نجاح إشكالية السياسي والمقدس، وأخيرا يتساءل: هل توجد عندنا فعلا صحافة حقيقية، كما هو متعارف عليه؟
في تفصيله لهذه القضايا تحدث الباحث عن طبيعة السياسي داخل المجتمع،منتصرا لحرية الصحافة والتي يجب أن تتعزز بإلغاء العقوبات السالبة للحرية وإلغاء الحجز الإداري والحق في مصدر الخبر.
وكان آخر المتدخلين شعيب حليفي(كاتب وأستاذ جامعي)حيث نهج طريقة جديدة في عرض موضوعه بان أسمع الحضور نشرة الأخبار الزوالية لذلك اليوم كما بثتها التلفزة المغربية ثم انطلق يحلل الخطاب وأبعاده الإيديولوجية والبحث عن حق المتلقي وهل من حق الإعلام العمومي ممارسة تقنيات لامشروعة في إيراد الأخبار والتعمية على أخرى؟
ولإبراز أطروحته، قدم شعيب حليفي عشرات الأخبار الوطنية والعربية والدولية وقعت في ذلك اليوم ولم ترد في نص النشرة الإخبارية الزوالية، وتساءل لماذا وما هي الافتراضات الممكنة؟
ثم قدم عددا من الأجوبة ليخلص في النهاية إلى ملاحظات اعتبرها أولية وضروري فتح نقاش وطني حولها.