دعوة لاستقلال كردستان العراق

بقلم: إبراهيم الزبيدي

زيارة السيد مسعود البرزاني لأنقرة، بالطريقة التي تمت بها وبالصيغة التي أخرجت بها إعلاميا، لا تليق بالعراق كدولة تشكل كردستان العراق جزءا منها، ولا تليق حتى بالرئيس البرزاني نفسه.
فالسيد أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركي الذي كان هو المكلف باستقبال الزعيم البرزاني والتباحث معه، بشرنا بأن لدى تركيا رؤية لاندماج اقتصادي تام مع إقليم كردستان. سألت نفسي، لماذا يعشق إخوتنا الأكراد مدَّ جذورهم دائما إلى الخارج، ويمنعونها عن شركائهم في الوطن المسكين؟
وسألت نفسي سؤالا آخر، إذا كانت الزيارة فقط للتباحث مع وزير خارجية في أنقرة فلماذا لم يوفد الرئيس مسعود وزير خارجية العراق للتباحث مع نظيره التركي بشأن الاندماج الاقتصادي المنتظر بين تركيا وواحد من أقاليم الدولة العراقية؟
ولا يعنيني كثيرا ذلك الثمن الباهض الذي طلبه أوغلو مقابل ذلك الاندماج، والذي حدده بمطالبة أكراد العراق ببذل المزيد من الجهود لوقف أنشطة أشقائهم مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي. فهذا شان داخلي كردي قومي خاص لا يحق لعربي عراقي أن يتدخل فيه. كما لا يهمني كثيرا رفض السيد مسعود رفع العلم العراقي إلى جانب العلم التركي في قاعة اللقاء، فهو يعتبره علم صدام حسين الذي قصف الأكراد بالغاز السام.
لكن المهم هنا هو أن هذه الزيارة كشفت واقع الحال الصعب الذي يعيشه القادة العراقيون، عربا وأكرادا، وجعلت ضروريا وملحا جدا أن نبحث عن حل جذري ونهائي لازدواجية الولاء المزمنة لدى قادة الأحزاب الكردية، وأن نضع نقاطنا ونقاطهم على الحروف.
وحرصا على راحة الجميع، وأملا في قطع دابر العتاب والتلاسن والتلاطش بالاتهامات والشكوك، وخَلاصا من القلق والانزعاج، أدعو قادة الأحزاب العربية الحاكمة في بغداد إلى التعجيل بمنح شركائهم الأكراد حرية الانعتاق من هذه الوحدة الوطنية الورقية الفاشلة، ومساعدتهم على إقامة الدولة المستقة، وحمايتها ورعايتها وتمكينها من الصمود.
وأدعو، في الوقت نفسه، قادة الأكراد العراقيين إلى أن يخرجوا من صيغة المواربة والمخاتلة، وأن يدخلوا حالة الوضوح والمكاشفة، فيعلقوا الجرس، ويعلنوا قيام دولتهم الفتية، وعلى بركة الله.
فقد أثبت الواقع المر أن شراكتنا معهم، عبر عشرات السنين، شراكة قسرية كسيحة، مفروضة بالقوة، ضعيفة ومهزوزة لا تملك قدرة الوقوف على قدمين.
فمن أول أيام تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 وكلا الفريقين من السياسيين العرب والأكراد معا، يتوجسان خيفة من بعضهما، ويمارسان أنواعا مبتكرة من المؤامرات المتبادلة الهادفة إلى إضعاف بعضمها بعضا، مع كثير من التعالي المبطن، والحقد المكبوت، والهُزء والتنكيت. ولم تهدأ جبهات الحروب الداخلية بينهما إلا لماما. وحتى حين كانت نارها تنطفيء قليلا، من حين إلى حين، كانت شرارتها تبقى متوهجة تحت الرماد. والأخطر من كل شيء والأكثر ضررا أن كليهما يخدع جماهيره الفقيرة فيغطي مآربه الخاصة بأثواب القومية أو الوطنية، وهي بريئة من كليهما براءة الذئب من دم يعقوب. فلا السياسيون العرب، شيعة وسنة، يحق لهم احتكار الحديث باسم عرب العراق، ولا السياسيون الأكراد يحق لهم مصادرة القرار من جماهير الشعب الكردي الواسعة.
ولأن طلاب السلطة من الأكراد المهووسين بأمجادها وأموالها، كانوا متلهفين إلى الانفصال والاستقلال، فهم لم يترددوا في قبول أي دعم سياسي أو عسكري، مهما كان، ومن أي ٍ كان.
فليس خافيا أنهم جندوا أتباعهم مرشدين ومقاتلين في حروب شاه إيران ضد العراق، ولم يتوقفوا عن ذلك التحالف حتى بعد سقوط الشاه وقيام نظام الولي الفقيه.
كما كان معروفا أيضا أنهم يتعاونون، سرا، مع إسرائيل ومخابراتها، ويتلقون منها الدعم والإسناد والتدريب، ولكل طرف منهما ممثلون لدى الطرف الآخر. لكنهم ظلوا ينكرون تلك العلاقة ويتهمون من يَصمهم بها بالحقد العنصري على الأكراد. ولكن بعد أن سقط نظام صدام وتكشفت الأسرار، صرنا نفاجأ، يوما بعد يوم، بتصريحات لقادة الأحزاب الكردية يباهون فيها بأن العلاقة مع إسرائيل شيء غير معيب، وأنهم حريصون عليها، رغم أنف قوانين الدولة العراقية التي ما زالوا، دستوريا وقانونيا وعرفيا، ينتمون إليها ويزعمون بالتزامهم بأحكامها. بل إنهم راحوا، شيئا فشيئا، يعمقون تلك العلاقة وينوعونها ويشعبونها، وينغمسون، أعمق فأعمق، في مخططات إسرائيل الهادفة إلى تمزيق وحدة العراق وإضعافه وإبقائه غارقا في دخان حروبه الأهلية الدامية، على مرأى ومسمع شركائهم في دولة المحاصصة، رغم أن أحدهم يحتل منصب رئاستها، وآخرين منهم يقودون أهم وأخطر وزاراتها، وعلى عينك يا تاجر.
من عام 1921 وهم يتظاهرون بأنهم ليسوا ضد الشعب العربي العراقي، ويؤكدون أنهم فقط ضد الحكومات الاستبدادية العراقية المفروضة بقوة السلاح، وأنهم يناضلون، مع قوى التحرر العربية العراقية الأخرى، من أجل تحرير الشعب العراقي من الديكتاتورية، وإقامة نظام ديمقراطي عادل وعاقل يوفر للمواطن، أي مواطن مهما كان دينه أو قوميته وطائفته، حياة حرة كريمة، خلافا لما كانت حكومات بغداد المتعاقبة تفعله في أيام حكمها البغيض. ومن عيوب أصحاب النوايا الحسنة أنهم يثقون بالآخرين ويصدقون أقوالهم ويغضون الطرف عن أفعالهم. فكان أن وضع كثيرون من عرب العراق أيديهم بأيدي الـ "ثوار" الأكراد المزعومين، وقاتلوا في صفوفهم دفاعا عن الشعب الكردي الذي تحمل كثيرا من الظلم والاضطهاد، إيمانا منهم بوحدة قوى الحرية والديمقراطية، وتعلقا بأمل تحرير الوطن كله من ربقة الاستبداد والعنصرية والطائفية البغيضة.
لكنَّ الذي تلى سقوطَ النظام الديكتاتوري الصدامي من أحداث وتقلبات وتحالفات وصراعات أثبت أن قادة الأحزاب الكردية يَكنون كرها غير محدود، وغير مقبول، وغير مبرر، لكل العراقيين، حتى أؤلئك الذين كانوا ضحايا النظام الديكتاتوري، وذاقوا مرارته أكثر كثيرا جدا من كثيرين من الأكراد الذين كانوا يمارسون تهريب النفط والدخان مع عدي وقصي وساجدة، أو الذين كانوا يحتمون بقوات النظام الضاربة.
وبين هذا وذاك نزف دم كثير، واحترقت بنار الحروب مدن وقرى عديدة، عربية وكردية معا، ودفن أهلها تحت أنقاضها.
فلو كان حظ العراق أفضل مما كان، لتمكن القادة الأكراد من الانفصال وأقامة دولتهم المستقلة منذ عشرات السنين ولحقنوا كثيرا من دماء العراقيين ودموعهم، ولمكّنوا عرب العراق وأكراده، على السواء، من إنفاق الأموال الطائلة التي أهدرت في الحروب على التنمية والتحديث، ولأصبح المواطن العراقي اليوم آمنا حرا كريما ينعم بثروات وطنه التي لا تعد و لا تحصى. والأهم من كل هذه المكاسب الضائعة أن استقلال كردستان كان سيمنع المغامرين المهووسين بالسلطة، أمثال صدام حسين، من اغتصاب الحكم، وإغراق الوطن في خراب البيوت.
فلولا تحالف القيادات الكردية، سياسيا وعسكريا، في أوائل السبعينيات، لما استخدم صدام كل ذلك العنف الهمجي، ولما جعل انتقامه شاملا وكاملا عم جميع الأكراد، حتى المواطنين البسطاء الأبرياء غير المسيسين. ولولا ذلك التحالف أيضا لما وقـَّع صدام حسين اتفاق الجزائر لينهي به الدعم الإيراني لقوات الملا مصطفى البرزاني، مقابل نصف شط العرب.
ولولا اتفاق الجزائر الذي مزقه صدام، بعد ذلك، لما اندلعت حربه مع إيران الخميني لتستمر ثماني سنوات، فتأكل الأخضر واليابس في العراق وإيران، على حد سواء.
ولولا حرب صدام مع إيران لما اضطر لاحتلال الكويت.
ولو احتلاله للكويت لما سقط النظام.
ولولا سقوط النظام بدبابات أميركا التي حملت معها القادة الأكراد وشركاءهم الإسلاميين الموالين لإيران، لما توهم بريمر بأن تسليم العراق لقادة الأكراد وشركائهم في المحاصصة سيقيم الفردوس الأميركي المفقود. ولولا ذلك كله لما سقط العراق في نفق الخراب المظلم الطويل الذي لم ولن يخرج منه إلا بزوال الأسباب الموضوعية التي قادت إليه.
بعبار أخرى، إن الشراكة القسرية مع القادة الأكراد كانت هي سببَ خراب العراق كله وأساسَه ومنبعَه الكبير.
فحتى ونحن شركاء معهم في معارضة نظام صدام حسين، لم يضعوا العراق، كوطن وشعب، في حساب أهدافهم الحقيقية المضمرة. فحين لاحت لهم فرصة الاتفاق مع الحاكم الذي دوخوا الدنيا بأخبار مقابره الجماعية وغازاته السامة وسجونه المرعبة طاروا إليه ورموا رفاقـَهم المعارضين الآخرين في سلال المهملات. ولم يعودوا إلينا إلا بعد أن تأكدوا من أن صدام حسين ليس سهلا، وليس أقل منهم براعة في المراوغة والمخاتلة، رغم قبلات الرئيس الطالباني التي نثرها على خده وعلى خدود معاونيه.
يقودنا هذا إلى النظر في دور القادة الأكراد الفاعل في استثمار حالة الفوضى التي غرق فيها العراق، قبل الاحتلال وخلاله وبعده .
وليس أفضل لتحديد ذلك الدور مما أعلنه وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق "آفي ديختر" في محاضرة له، مؤخرا، حيث قال: "نحن نعمل على تطوير شراكة أمنية واستراتيجية مع القيادة الكردية، رغم أن ذلك قد يثير غضب تركيا الدولة الصديقة".
وقال "الآن في العراق دولة كردية فعلا، هذه الدولة تتمتع بكل مقومات الدولة: أرض شعب دولة وسلطة وجيش واقتصاد ريعي نفطي واعد. هذه الدولة تتطلع الى أن تكون حدودها ليست داخل منطقة كردستان، بل ضم شمال العراق بأكمله، مدينة كركوك في المرحلة الأولى، ثم الموصل وربما محافظة صلاح الدين الى جانب جلولاء وخانقين".
هذا الوضع لا يحتمل وينبغي أن ينتهي. فلا كردستان العراق دولة مستقلة وتتعامل مع جارها العراق معاملة الجيران والأشقاء، ولا هي جزء حقيقي من الدولة العراقية لها ما لأي جزء من الوطن وعليها ما عليه.
فليس مسموحا لأي عربي عراقي بأن يعمل في إي من دوائر حكومة الإقليم، حتى لو كان واحدا من مواطنيها المقيمين ضمن حدودها. بل لا يدخلها العراقي الزائر للسياحة إلا بتأشيرة صعبة وغير متاحة لمن يريدها. بالمقابل يستحوذون على نسبة كبيرة من عوائد البترول، ويحتلون رئاسة الجمهورية وعددا كبيرا من المواقع الحساسة الرئيسية الأخرى، ويقيمون ويتملكون ويرشحون وينتخبون في أية محافظة من محافظات العراق، دون قيد ولا شرط، حالهم حال أي عراقي آخر ينتمي لهذا الوطن المسكين.
ومن أكثر مساويء دور السياسيين الأكراد في العراق الأميركي الإيراني الجديد أنهم يمسكون العصا من وسطها بين الطوائف والأحزاب ومحترفي السياسة في بغداد، لا يمنحون عطفهم لهذا أو ذاك من المتصارعين على الكراسي إلا بمقدار ما يقدمه لهم من مكاسب ومنافع، وفق مفهومهم الخاص الهادف أصلا إلى تأصيل دولتهم وتوسيع حدودها المستقبلية.
وقد أطلقها محمود عثمان صريحة مدوية، حين أكد، قبل يومين، تمسك قائمته بعدة ثوابت وشروط لخوض المفاوضات لتشكيل الحكومة، أهمها "تحديد مصير المناطق المتنازع عليها" والتي أسماها بالمغتصبة من إقليم كرستان، والمشاكل العالقة بخصوص مسألة البيشمركة حرس الإقليم، وقانون النفط والغاز. وعن الكتل النيابية الأقرب إلى القوى الكردية، قال محمود عثمان: "الأقرب للكرد من يلبي مطالبهم. وكانت لنا تحالفات مع الائتلافين، وكأشخاص يربطنا بإياد علاوي تأريخ طويل، مع وجود مشاكل مع بعض حلفائه، وبرغم ذلك نفضل الحوار، والكتلة التي تلبي مطالبنا سنقترب منها. وتابع قائلا إن من مطالبنا أيضا رئاسة الجمهورية وأخرى وزارية بحسب استحقاقنا السياسي والانتخابي، وكل هذه الأمور ستبحث ضمن صفقة واحدة."
لذلك وبناء على كل ما تقدم يتأكد لنا أن منح كردستان استقلالها العلني التام هو الحل الأنسب والأكثر واقعية ونفعا للجميع. ففيه سيمتلك القادة الأكراد كامل حريتهم في التعامل مع دول يرفض العرب العراقيون التعامل معها، دون أن يتدخل أحد في ذلك. وسيكون من حقهم استثمار حقول النفط في مناطقهم، وفق ما يرونه مناسبا، ويمكن أن تتفاهم الدولة الكرستانية مع جارتها الدولة العراقية على تمرير أنابيب نفطها عبر الأراضي العراقية إلى أية دولة أخرى. وسيكون لها سفراؤها المستقلون في دول العالم، دون أن يزعجهم موظفون عرب عراقيون آخرون تعودوا على التلصص والمراقبة والفضول.
عندها سيشغر منصب رئاسة الجمهورية ووزير الخارجية ورئيس أركان الجيش ومناصب أخرى عديدة في الوزارات والسفارات والمواقع المهمة الأخرى، وسوف تتوفر أموال طائلة إضافية كبيرة يمكن أن تكون كافية لإشباع رفاقنا المتحاصصين، شيعة وسنة، فتتم الترضية وتتحقق المصالحة ويهدأ الحال. خصوصا حين يجد المتصارعون الحاليون أنفسهم وجها لوجه، دون طرف ثالث يعبث بتوازناتهم، وينفخ في نيران عداواتهم، ويستثمر خلافاتهم، كما فعل ويفعل من عقود. إبراهيم الزبيدي