دعوات مصرية لتقنين الحج والعمرة توفيرا للعملة الصعبة

القاهرة - من محمد جمال عرفه
...ولكن ليس كل عام

يمتاز المصريون بحبهم لزيارة الأراضي المقدسة في مكة والمدينة, وتكرار الحج والعمرة, حتى إن البعض يعتمر كل عام تقريبا، كما أن البعض يقوم بالحج خمس مرات في حياته، ولكن العملة الصعبة التي ينفقها المصريون علي رحلات الحج والعمرة تثير قلق الحكومة, كلما ظهرت بوادر أزمة اقتصادية تكشف ثغرات الاقتصاد الوطني.

فقد سبق فتح هذا الملف في التسعينيات, خلال أزمة حرب الخليج الثانية, وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد المصري, خصوصا في مجال السياحة, الذي تجني مصر من وراءه قرابة ثلاثة مليارات دولار سنويا، وفُتح مرة أخرى عقب فترات الكساد الاقتصادي, عندما انهارت أسعار النفط، وانهار الموسم السياحي, إثر عمليات العنف في مصر, خصوصا بعد مقتل قرابة 60 سائحا أجنبيا في مدينة الأقصر عام 1997, وعاد فتحه مرة أخرى الآن, عقب توابع تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر في أمريكا, والتي تكاد تكون أعنف الأزمات التي ضربت الاقتصاد المصري, بسبب تأثيرها على كل موارد مصر تقريبا من سياحة وتجارة ونقل ونفط.

ومع أن ما يتم صرفه من عملة أجنبية على سلع ترفيهية غير ضرورية مثل أطعمة الكلاب والقطط أو الأطعمة المستوردة و"الآيس كريم" وغيره لا يشغل حيزا كبيرا من حجم التجارة المصرية، إلا أن الأزمات الاقتصادية المتعاقبة تعيد فتح هذه الملفات, التي يتسرب منها الاحتياطي المصري من النقد الأجنبي، ومنها رحلات الحج والعمرة.

وقد وصل الأمر هذا العام لإثارة الرئيس المصري مبارك بنفسه مسألة الإنفاق على العمرة وعلى السفر للخارج، مما دعا وسائل الإعلام المصرية وأجهزة الإحصاء, لبحث هذه الظاهرة, وارتفاع أصوات تطالب بـ"تقنين" العمرة, خاصة بعد فتوى بعض علماء الدين, ومنهم شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي, التي تؤكد أن لولي الأمر الحق في تنظيم رحلات العمرة لمصلحة المجتمع.

3 مليارات جنيه للعمرة ومثلها للحج

والملفت أنه رغم التصريحات الرسمية المناشدة للمصريين للاقتصاد في النفقات, وتوفير العملة الأجنبية, بدلا من تبذيرها في أمور عديدة, مثل استيراد فوانيس رمضان من الصين, أو "الياميش", أو حتى قضاء العمرة لمرات متعددة، إلا أن نصائح الحكومة لم تجد لها صدى, بعدما كشف مسئولو السفارة السعودية بالقاهرة عن أن عدد تأشيرات العمرة, التي حصل عليها المصريون في الأشهر الخمسة الماضية فقط‏, حتى أوائل شهر رمضان الجاري, بلغ نحو ‏700‏ ألف تأشير ووفقا لإحصاءات رسمية, تتكلف رحلات العمرة هذه قرابة 3 مليارات جنيه مصري, (الدولار كان يتراوح بين 4.25 و4.5 جنيها قبل الاعلان عن يتخفيض قيمة الجنيه)، ويتضاعف هذا الرقم ليصل إلى ستة مليارات إذا أضيفت تكاليف الحج أيضا.

وقد أثارت هذه الأرقام الداعين للمطالبة بتقنين رحلات العمرة, توفيرا للعملة الأجنبية, في ظل حالة الشح الشديد فيها, نتيجة تقلص واردات السياحة والبترول والنقل البحري والتصدير, من هذه العملات الأجنبية, واستصدروا فتاوى من علماء دين ومن شيخ الأزهر بجواز ذلك، بيد أنه لم تصدر أي قرارات رسمية بتقنين العمرة, أو التضييق عليها, بسبب حساسية الأمر من الزاوية الدينية, خصوصا في ظل محبة المصريين لتكرار رحلات العمرة.

50 مليون دولار آيس كريم و18 ألفا لطعام القطط والكلاب!

كما أثيرت في المقابل تساؤلات بشأن أسباب التضييق على الشعائر الدينية, في حين أن هناك مواد أخرى (تسمى سلعا استفزازية), يجري استيرادها, وتكلف خزينة الدولة عملات أجنبية أيضا, ولو تم حظر استيرادها, فلن يتأثر بها المجتمع المصري, مثل أطعمة الكلاب والقطط, والسلع الكمالية المهربة من الصين, والتي تغرق الأسواق، وغيرها الكثير.

وفي هذا الصدد تشير الإحصاءات الرسمية المصرية إلى أن المصريين استوردوا فوانيس رمضان الملونة بثلاثة ملايين دولار, رغم أن مصر مشهورة بصناعة فانوس رمضان. وتقول أرقام حملها تقرير صدر عن الغرفة التجارية المصرية في تموز (يوليو) الماضي أن المصريين استوردوا أيضا "آيس كريم" بـ50 مليون جنيها، وأكلا للقطط والكلاب بـ18 ألف دولار، وحمص شام بـ3 ملايين، وحلوى بأربعة ملايين, ولبا بثلاثة ملايين، وتبغا بـ111 مليون دولار!!.

وتشير الأرقام إلى أن مصر البلد الزراعي تستورد خضار بـ 11 مليون دولار، وحبوبا وبقولا بـ812 مليون دولار، وشايا وبنا بـ1136 مليون دولار.

ورغم هذه الأرقام المستفزة، يقول مسئولو وزارة التجارة المصرية, أن أكثر من 80 في المائة من حجم الواردات سلع رأسمالية مفيدة, كالعدد والآلات ومستلزمات الإنتاج, التي تحتاجها الاستثمارات, التي يشكل فيها المكون الأجنبي نسبة لا تقل عن 60 في المائة, والموجهة في المقام الأول للاستثمار والتنمية.

ويضيف المسؤولون أن السلع الاستهلاكية لا تزيد على 17 في المائة فقط من الواردات, ويدخل فيها أيضا السلع المعمرة من أجهزة منزلية, تشكل 7 في المائة, والباقي مواد غذائية كالزيوت والسمن ومنتجات الألبان واللحوم والأسماك. أما السلع المسماة بـ"المستفزة"، فلا تزيد على خمسة في المائة من الواردات, وهي نسبة صغيرة جدا، لكن قضية الاستيراد دائما تثار عندما تقل موارد مصر من النقد الأجنبي.

الجدير بالذكر أن توابع أزمة 11 أيلول/سبتمبر على الاقتصاد المصري تمثلت في خسارة قدرها رئيس الوزراء المصري عاطف عبيد رسميا بـ 1.3 مليار دولار, في حين تصل بها الأرقام غير الرسمية إلى حوالي 7 مليارات دولار, بسبب نقص موارد مصر من البترول, الذي انخفض سعره، والسياحة التي تعاني بشدة لحد إغلاق قرى سياحية بالكامل، وحتى وارد النقل البري والبحري والتصدير.

وقد أعلن رئيس الوزراء المصري أنه تم تدبير 700 مليون من صناديق نقد عالمية لتعويض النقص، وتوفير 600 مليون أخرى من موارد داخلية. وكانت موارد مصر من النقد الأجنبي قد انخفضت من قبل عدة مرات, إذ انخفضت حصيلة النقد الأجنبي على سبيل المثال من 1.1 مليار دولار عام 1997 - 1998 إلى 730 مليون دولار فقط عام 1998 - 1999. (ق.ب.)