دستور مصر... دولة القانون لا دولة الإخوان

تظاهرات الدستور قضت على حكم الإخوان

شهدت مصر منذ سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على الحكم باستحواذ نواب ذراعها السياسي؛ حزب الحرية والعدالة، على الأغلبية في مجلس الشعب ثم فوز محمد مرسي، المرشح القادم من صفوفها، برئاسة الجمهورية، شهدت سجالا دائما بين الجماعة ومؤسسة القضاء في مصر، التي وجهت الصفعة تلو الأخرى لجماعة الإخوان المسلمين، بل لا نبالغ حين نصف هذه المواجهة بالمعركة حامية الوطيس بين المحكمة الدستورية العليا من جانب، وجماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر، حيث استعرت المواجهة بين الطرفين في مشهد غير مسبوق، وذلك حين حاصرت جموع الجماعة الغاضبة من أحكام المحكمة الدستورية العليا صرح المحكمة ومنعوا قضاتها من مزاولة أعمالهم ومهامهم الدستورية، في سابقة خطيرة لم يشهدها التاريخ السياسي المعاصر في العالم إلا في ألمانيا النازية، حين حاصر أنصار هتلر المحاكم والهيئات القضائية في ألمانيا، وذلك تنفيذا لخطة الرايخ المسماة بـ"تمكين النازي".

وانخرطت أيضا المحكمة الإدارية العليا في مصر في أتون المعركة المشتعلة بين الرئاسة المصرية (جماعة الإخوان المسلمين في واقع الأمر) وبين الهيئة القضائية في مصر، وهي ذات الهيئة التي رفضت بشدة الإذعان لسياسة التوريث التي حاول ترويجها وتنفيذها الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، حيث رفضت المحكمة الإدارية العليا في يوليو (تموز) 2012، طلب قياديين في جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة إلغاء قرار حل مجلس الشعب الذي تم انتخابه نهاية 2011.

وأكدت المحكمة الإدارية العليا في قرارها أن المجلس "زال وجوده بقوة القانون، في ضوء الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في 14 يونيو (حزيران) 2012، القاضي بعدم دستورية بعض مواد قانون مجلس الشعب الذي تكون هذا المجلس على أساسها"، بيد أن جماعة الإخوان المسلمين ضربت عرض الحائط بقرار المحكمة الإدارية العليا المتقدم، حيث وجه رئيس المجلس المنحل سعد الكتاتني (أحد قياديي حزب الحرية والعدالة) في 9 يوليو (تموز) 2012 الدعوة لكل أعضاء المجلس لعقد جلسة تنفيذا لقرار الرئيس المصري في ذلك الوقت بعودة المجلس للانعقاد، في تحدٍ من رئيسي الجمهورية ومجلس الشعب لحكم المحكمة الدستورية العليا.

لقد تمحورت ثورات الربيع العربي في دول المشرق والمغرب العربيين، ومنها مصر، حول محور واحد وهو الدستور؛ وهذه العودة القوية لمفهوم الدستور والتشبث بالدستورية يذكرنا بأن حركات التحرير الوطني في دول الربيع العربي منذ عقود خلت تمحورت أيضا حول فكرة الدستور (الحزب الحر الدستوري في تونس، وحزب الوفد في مصر، وحزب الاستقلال بالمغرب).

لقد بان من دساتير الثورات العربية التي هبت مع ربيع 2011م في العديد من الدول العربية، بعد أن تنسمت هذه الثورات أريج ياسمين الثورة التونسية الخالدة في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010، أن هناك تغيرا دراماتيكيا في إعداد وصياغة دساتير ثورات دول الربيع العربي، فقد أضحت هذه الدساتير –وبامتياز- دساتير دول بعد أن ظلت دساتير أنظمة حاكمة، وصارت أيضا دساتير ترسخ لدولة القانون بعد أن كانت دساتير تشرعن لدولة البطش والقهر والاستبداد.

ضمانة دولة القانون في الوثيقة الدستورية المصرية الأخيرة لعام 2014م، وهي الوثيقة المعدلة للدستور المعطل لعام 2012، وذلك من خلال التعرض للرقابة الدستورية للقوانين، والتي تطبقها المحكمة الدستورية العليا في مصر، سواء كانت هذه الرقابة سابقة أو لاحقة للقوانين واللوائح في مصر، كما ستتعرض الدراسة للمسار الرقابي الدستوري للمحكمة الدستورية العليا بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

دولة القانون:

ظهر مصطلح دولة القانون في ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر حين ميز الفقهاء بين "دولة الضبط الإداري" التي تعطي للإدارة سلطة غير مقيدة لمواجهة الأوضاع الاجتماعية، وتتخذ الإجراءات والتدابير اللازمة التي تراها صالحة كلما اقتضت الحاجة ذلك، ودولة القانون تلك التي تقيد نفسها بنفسها بنظام شرعي، وقواعد معروفة مسبقة ضمانا لحقوق الأفراد.

اختلفت وتباينت الآراء حول مفهوم ومحتوى دولة القانون، فيرى البعض، خاصة الفقيه ديجي Leon Duguit، أن دولة القانون تعني خضوع الدولة لأحكام تعلو الدولة، ويشاطره ليو هامونLeo Hamon هذا الرأي إذ يؤكد أن: "دولة القانون تستوجب احترام قواعد موضوعة فوق الدولة، تفرض نفسها على صاحب السيادة حتى لو كان الشعب نفسه"، أما كاري دي ملبارك فيري أن دولة القانون تتجسد في القانون بمعناه الضيق، أي القانون الذي يسنه البرلمان.

ضمانات تحقيق دولة القانون:

إن أي دراسة في سائر العلوم الاجتماعية للغاية الأسمى من الدساتير، وهي تحقيق "دولة القانون"، تهتم بالضرورة بضمانات تحقيق هذا المراد الإنساني الذي نظل نعتبره مطمحا، بل حلما في السياق الديمقراطي والدستوري العربي.

فإلى جانب المقومات الأساسية لقيام دولة القانون، من وجود دستور، وندرج القواعد القانونية، وسمو الدستور، والخضوع لحكم القانون، والاعتراف بالحقوق والحريات الفردية، توجد ضمانات أساسية لتحقيق دولة القانون تتعلق بتنظيم أجهزة الدولة تنظيما يمنع الاستبداد، ويحول دون الطغيان، ويقود إلى حماية الحقوق الأساسية للأفراد وحرياتهم العامة، وتتمثل هذه الضمانات في: مبدأ الفصل بين السلطات، وتنظيم الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، والرقابة الدستورية على القوانين، وتطبيق النظام الديمقراطي، وسيقتصر بحثنا في هذا الصدد على الرقابة على دستورية القوانين، بحسبانها صمام الأمان لاحترام وتنفيذ الدساتير وضمان سموها على ما عداها من تشريعات وقوانين ولوائح داخلية.

إعمال دولة القانون:

شهدت الوثيقة الدستورية لعام 2014، وهي الوثيقة المعدلة لدستور عام 2012م، تغييرا ملحوظا في الدور الرقابي للمحكمة الدستورية العليا، فضلا عن منح المحكمة استقلالية أكبر من التي كانت تحوزها بموجب دستور عام 2012.

ولا يمكن التعرض للعلاقة بين دولة القانون في مصر، ودور المحكمة الدستورية العليا في الوصول لهذه الدولة من دون التطرق إلى السياق التاريخي السياسي الذي صدر فيه كل من الوثيقتين الدستوريتين لعامي 2012، و2014.