دستور لحروب جاهزة

قبل سنوات فشل العراقيون في كتابة دستور لعراقهم الجديد بأيديهم.

كانت البلاد يومها محتلة وكان الشعب اليائس موزعا بين فئتين: فئة رحبت بالاحتلال باعتباره من وجهة نظرها الوسيلة الوحيدة الممكنة للاطاحة بنظام استبدادي التهم من حياة العراقيين أكثر من ثلاثة عقود، قضى الجزء الاكبر منها منتشيا بمغامراته الحربية؛ وفئة أخرى رفضت الاحتلال من جهة ما كان يمهد له من انتقال بغيض من حكم نظام استبدادي إلى حكم نظام يكون في أحسن أحواله ملحقا بالمحتل، فكرا وسلوكا.

وإذا ما كان المحتل بقوة سلطته الغاشمة قد فرض مشروعه على العالم فان الدستور الذي هرع العراقيون إلى مباركته بأصابعهم البنفسجية كان جزءا من ذلك المشروع. لذلك لا يمكن النظر إلى ذلك الدستور إلا من جهة ما يمثله من مسعى لرسم ملامح صورة العراق كما يرغب المحتل في أن تكون عليه مستقبلا.

لقد أسس ذلك الدستور لعراق الطوائف. العراق الذي لن يكون موحدا في مستقبل أيامه القادمة ما دام ذلك الدستور قائما ومعترفا به، إذ إنه تضمن فقرات هي بمثابة الغام مؤجلة التفجير. وهو ما تفصح عنه على سبيل المثال فقرة تؤكد على وجود مناطق متنازع عليها بين العراق وبين الاقليم الكردي، كما لو أن ذلك الاقليم ليس جزءا من العراق.

ولأن المحتل قد ركز على الغاء مفهوم الدولة المدنية فقد كانت ديباجة االدستور قد افتتحت بجمل تؤكد خضوع مشروع الدولة المستقبلية لارادة المرجعيات الدينية، وهو ما يشير إلى الالتزام القانوني بكل ما يمكن أن تفرضه تلك الارادة الماضوية المتحجرة من معايير وشروط لبناء دولة دينية، يكون نظام المحاصصة بين الطوائف ميزانها الوحيد.

بهذا المعنى فقد تبنى الدستور العراقي المعمول به الآن مبدأ توزيع الغنائم حصصا بين الطوائف بدلا من أن يكون مبدأ المواطنة هو الاساس الذي تتوازن من خلاله الحقوق والواجبات.

لقد جهز المحتل للعراقيين وليمة مسمومة، كانت المرجعيات الدينية قد حثتهم على الاقبال عليها مستسلمين لقدر لن يكون يسيرا عليهم أن يتصدوا له أو يضعوه موضع المساءلة، بسبب ما أضفت عليه تلك المرجعيات من هواجس ومخاوف طائفية، كانت قد اُخترعت من أجل تكريس عزلة مكونات الشعب العراقي، بعضها عن البعض الآخر، وصولا إلى اللجوء إلى التقسيم، باعتباره الخيار الامثل لوقف النزاعات الاهلية.

كان الدستور العراقي بمثابة فخ لتكريس الخلافات ولم يكن قانونا عاما جامعا، يمكن أن يعود إليه العراقيون لفض نزاعاتهم.

وهنا لابد من الاشارة الى الشجاعة التي تميز بها المصريون مقارنة بأخوتهم العراقيين حين قرروا اجهاض الدستور الاخواني الذي كان من شأنه لو ترسخ قانونا عاما أن يضع مصر، وهي التي عرفت الدولة المدنية منذ زمن طويل على الطريق التي يمكن أن تجعل منها عراقا آخر.

ما فعله المصريون يمكن أن يكون نموذجا يقتدي به العراقيون إذا كانوا يرغبون حقا في بناء مستقبل بلدهم على أسس صحيحة، بدلا من أن يهدروا زمنا مضافا لن ينتج عنه إلا مزيد من الخراب المدني والانهيار الاجتماعي.

غير أن املا من هذا النوع يبدو مستبعدا في ظل سياسات احزاب متناحرة وجدت في الدستور القائم غطاء لتمرير مشاريعهم التي تهدف إلى اضعاف الوحدة الوطنية وتمزيق النسيج الاجتماعي واحتكار السلطة في سياق نظام محاصصة، هو في حقيقته واجهة لتقاسم الثروة والنفوذ بين الاحزاب الدينية والعرقية وميليشياتها التي لها واقعيا السلطة على الارض.

لقد صنع المحتل الأمريكي دستورا للعراقيين سيجعل منهم إلى زمن غير منظور حطبا لحروب ستكون أسبابها جاهزة دائما.