دستور تونس الجديد يقطع على الجيش طريق السياسة

محاولة لمنع تكرار التجربة المصرية..

تونس - صادق المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) في تونس الاثنين على فصل في الدستور الجديد للبلاد حظر بموجبه على قوات الجيش تأسيس نقابات، كما صادق على فصلين آخرين متعلقان بالمساواة بين الجنسين والإبقاء على عقوبة الإعدام.

وصوت 156 نائبا من أصل 168 شاركوا في عملية الاقتراع على الفصل 35 من الدستور الذي يقول ان "الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون. ولا ينطبق هذا الحق على الجيش الوطني".

وصوت 6 نواب ضد هذا الفصل وتحفظ 6.

وبعد الاطاحة مطلع 2011 بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، رخصت السلطات لـ"قوات الامن الداخلي" (الشرطة والحرس الوطني والحماية المدنية وحراس السجون) في تأسيس نقابات.

وليلة الاحد صادق المجلس التاسيسي على فصلين من الدستور أعطى بموجبهما طابعا "جمهوريا" لقوات الأمن والجيش وألزمهما بـ"الحياد التام" عن الأحزاب السياسية.

وينص الفصل 17 من الدستور على ان "الجيش الوطني جيش جمهوري وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط، مؤلفة ومنظمة هيكليا طبق القانون، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد التام. ويدعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون".

أما الفصل 18 فينص على ان "الأمن الوطني أمن جمهوري قواته مكلفة بحفظ الامن، والنظام العام وحماية الافراد والمؤسسات والممتلكات وإنفاذ القانون في كنف احترام الحريات وفي إطار الحياد التام".

ويبلغ عدد قوات الامن الداخلي في تونس حوالي 70 ألفا بحسب إحصائيات اعلنتها نقابات أمن مؤخرا، فيما يبلغ عدد قوات الجيش 60 ألفا من ضمنهم الاحتياط حسب ما اعلن ناطق رسمي باسم وزارة الدفاع في 2013.

وكان المجلس صادق في وقت سابق الاثنين على فصل في الدستور أبقى بموجبه على عقوبة الإعدام.

وصوت 135 نائبا من أصل 174 شاركوا في عملية الاقتراع على الفصل 21 من الدستور الذي يقول "الحق في الحياة مقدس، لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون".

وصوت 28 نائبا ضد هذا الفصل وتحفظ 11.

ودعت نادية شعبان النائبة عن حزب "المسار" (يسار وسط) الى الغاء عقوبة الاعدام لكن مطلبها قوبل بالرفض.

وقالت النائبة انه تم منذ استقلال تونس سنة 1956 وحتى سنة 1991 تنفيذ حكم الاعدام في 137 شخصا بينهم 129 تم اعدامهم "لأسباب سياسية" في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي حكم تونس من 1956 إلى 1987.

ونفذ آخر حكم بالاعدام في تونس عام 1991 ضد منحرف ادين بقتل 14 طفلا بعد اغتصابهم.

وتواصل المحاكم التونسية النطق بعقوبة الاعدام رغم ان تنفيذها متوقف منذ 1991.

وقالت نادية شعبان انه تم بعد 1991 اصدار حكم الاعدام بحق حوالى 100 شخص لكن دون تنفيذ العقوبة.

وفي 3 كانون الثاني/يناير الحالي دعت منظمات حقوقية دولية بينها "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولي في بيان مشترك الى "إعادة النظر في عقوبة الإعدام في الدستور (التونسي) الجديد".

وقالت المنظمات إن الصيغة الحالية للفصل 21 من الدستور "غامضة حيث أنها لا تحدد الحالات التي تشرّع انتهاك الحق في الحياة، وتحت أية ظروف يتم هذا الانتهاك".

وفي الاول من نيسان/ابريل 2013 دعا راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الاسلامية الحاكمة في تونس إلى اعادة تطبيق عقوبة الاعدام في البلاد وذلك إثر اغتصاب حارس حضانة أطفال في العاصمة تونس طفلة عمرها 3 سنوات، في حادثة هزت الرأي العام المحلي.

كما صادق المجلس التأسيسي أيضا على فصل في الدستور الجديد يقر "المساواة" بين التونسيات والتونسيين في "الحقوق والواجبات" و"أمام القانون"، ما يعطي نساء هذا البلد وضعا حقوقيا فريدا من نوعه في العالم العربي.

وصوت 159 نائبا من أصل 169 شاركوا في عملية الاقتراع على الفصل 20 من الدستور الذي يقول "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم".

وصوت ضد هذا الفصل سبعة نواب وتحفظ ثلاثة.

وإقرار هذا الفصل هو ثمرة توافق بين حركة النهضة الاسلامية الحاكمة وصاحبة أغلبية المقاعد في البرلمان (90 من إجمالي 217 مقعدا) والمعارضة العلمانية.

وكانت حركة النهضة قدمت في 2012 إلى المجلس التأسيسي مشروع قانون ينص على مبدأ "التكامل" بين الرجل والمرأة عوضا عن "المساواة".

ورأت المعارضة التي نظمت، وقتئذ، تظاهرات كبيرة احتجاجا على مشروع القانون، ان عبارة "تكامل" قابلة لأكثر من تأويل وأنها قد تكون مدخلا لضرب المكتسبات الحداثية للمرأة التونسية.

وفي آب/اغسطس 2012 تراجعت "لجنة الحريات والحقوق" في المجلس التاسيسي،وتحت ضغط احتجاجات وتظاهرات المعارضة، عن اعتماد مشروع القانون المثير للجدل.

ورحبت أحلام بلحاج الرئيسة السابقة لـ"الجمعية التونسية للنساء الديموقراطيات" غير الحكومية التي تطالب بإقرار مساواة تامة بين الجنسين في تونس، بمصادقة المجلس التاسيسي على الفصل 20 من الدستور.

وقالت ان جمعيتها دعت في وقت سابق الى التنصيص ضمن الدستور على منع التمييز بين التونسيين على اساس الجنس أو اللون. لكنها أقرت بأن مجرد التنصيص على "المساواة" في الدستور أمر "جيد جدا". وقالت "كان هذا مطلبنا وهذا انتصار (لنا)".

وكانت منظمات حقوقية دولية بينها "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية دعت في بيان مشترك يوم 3 كانون الثاني/يناير الحالي الى تعديل الفصل 20 من الدستور حتى يشمل "المساواة وعدم التمييز أمام القانون (..) كل شخص خاضع لنظر السلطات التونسية، بما في ذلك (..) الأجانب" وليس مواطني البلاد فقط.

ولفتت المنظمات الى ان الصيغة الحالية للفصل 20 "لا تحدد الأسباب التي يُحظر على أساسها التمييز".

وقالت "يجب أن ينص الفصل 20 على أنه يُحظر التمييز، المباشر وغير المباشر، على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد، أو أي وضع آخر، وأن القوانين وسياسات الدولة التمييزية غير دستورية".

وأضافت "يجب التأكيد على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في جميع المجالات. وينبغي أن ينص الدستور على أن الرجل والمرأة متساويان ويتمتعان بالمساواة التامة أمام القانون وعلى أرض الواقع، وبفرص متساوية في جميع مناحي الحياة، سواء كانت مدنية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية، وكما تحددها المعايير الدولية لحقوق الإنسان".

وينتظر ان يصوت المجلس التأسيسي في وقت لاحق على فصل ثان يتعلق بحقوق النساء هو الفصل 45 الذي يقول "تضمن الدولة حماية حقوق المرأة وتدعم مكاسبها. تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تحمل مختلف المسؤوليات. تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة".

وقالت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في البيان المشترك "يجب أن ينص الفصل 45 على تساوي الفرص والحقوق بين الرجل والمرأة. ولذلك يجب تعديل عبارة \'تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضدّ المرأة\' لتضمين \'جميع أشكال التمييز والعنف".

وأضافت "كما يجب أيضًا إضافة تنصيص قانوني يدفع الدولة إلى تبني إجراءات ايجابية في جميع المجالات لتحقيق تمكين المرأة بشكل فعال ومتساو".

وتحظى المرأة في تونس بوضع حقوقي فريد من نوعه في العالم العربي بفضل "مجلة (قانون) الاحوال الشخصية" التي أصدرها سنة 1956 الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي يوصف بأنه "محرر" المرأة التونسية.

وسحبت المجلة التي لا يزال معمولا بها، القوامة من الرجل وجرمت الزواج العرفي وإكراه الفتاة على الزواج من قبل ولي أمرها، وتعدد الزوجات، وجعلت الطلاق بيد القضاء بعدما كان بيد الرجل ينطق به شفويا متى يشاء.

وأثار وصول حركة النهضة الاسلامية إلى الحكم نهاية 2011 مخاوف منظمات نسوية من التراجع عن "المكتسبات الحداثية" التي راكمتها المرأة التونسية منذ استقلال البلاد سنة 1956، رغم تعهد الحركة بالحفاظ على هذه المكتسبات و"تطويرها".