دستور النهضة يتيح تشكيل حرس 'الباسداران' في تونس

مباركة مطلقة لـ'ضمير الثورة'

تونس - حذرت منظمة غير حكومية من ان مسودة الدستور التونسي الجديد الذي أعده المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) تفتح الباب أمام "تسليح ميليشيات" لا تنتمي للجيش أو لجهاز الأمن الوطني.

وأثار عدد من الفصول التي تضمنها مشروع مسودة الدستور غضبا شديدا لدى العديد من الحقوقيين والسياسيين في تونس، الذين حذروا في اكثر من مناسبة، من أن هذه المسودة تكرس لديكتاتورية جديدة بدأت ملامحها تظهر مؤخرا في تونس.

وقالت "الجمعية التونسية الاورومتوسطية للشباب" ان الفصل 95 من مسودة الدستور "يشرع بصفة صريحة تسليح مجموعات لا تنتمي لا لسلك الامن الوطني ولا لسلك الجيش أي بمعنى آخر ميليشيات مسلحة من شأنها ان تدخل تونس في دوامة عنف ونزاع مسلح".

ويقول مراقبون إن هذا المأخذ لا يعتبر الوحيد ضد فصل بعينه من فصول مسودة الدستور التونسي الجديد، لكنه المأخذ الأبرز على الإطلاق لأنه يكشف عن المخاطر التي يمكن ان تلحق بالسلم الاجتماعي في تونس إذا ما تمرير هذا الفصل.

واضافت "نرجو الا يكون ذلك تمهيدا لنهاية مريعة لتونس المدنية الحديثة المسالمة والمتمدنة".

وتستعمل المعارضة ومنظمات اهلية تونسية اليوم عبارة "ميليشيات" عند الحديث عن "الرابطة الوطنية لحماية الثورة" غير الحكومية التي لها فروع في مختلف مناطق البلاد، والمحسوبة على حركة النهضة الاسلامية الحاكمة.

وتقول المعارضة ان رابطة حماية الثورة "ميليشيات اجرامية" تحركها حركة النهضة لضرب خصومها السياسيين فيما تنفي الحركة هذه الاتهامات باستمرار.

ويشبه عدد من التونسيين هذه "المليشيات" بحرس الثورة الإيراني (الباسداران) الذي يعمل مباشرة بإمرة المرشد الإيراني الأعلى وبعيد عن رقابة الحكومة.

ويقول هؤلاء إن النهضة بصدد تكوين قوة مشابهة له في البلاد يكون ذراعها الطولى في ردع المخالفين لها والرافضين لمشروعها لأسلمة المجتمع التونسي.

واقدمت هذه المليشيات على منع خصوم سياسيين للنهضة من إقامة تجمعات سياسية لهم في مناطق مختلفة من البلاد التونسية.

واتهم حزب "حركة نداء تونس" الذي يقوده رئيس الحكومة التونسية الاسبق الباجي قائد السبسي ما يسمى بـ"الرابطة الوطنية لحماية الثورة"، بانها تمارس عمليات بلطجة بامر مباشر من زعيم النهضة راشد الغنوشي.

وقال الحزب إن هذه المليشيات نفذت اول عملية اغتيال سياسي ضد لطفي نقض احد أعضائه في محافظة تطاوين بالجنوب التونسي.

وفي ديسمبر/كانون الأول، داهمت مجموعة مسلحة بالعصي والهراوات محسوبة على "الرابطة الوطنية لحماية الثورة" اجتماعا لـ"حزب نداء تونس" بأحد فنادق جزيرة جربة السياحية وحاصرت قيادات للحزب وجمع غفير من انصاره.

وقال قيادون في الحزب الذي يصفه مراقبون بأنه القوة السياسية الصاعدة التي باتت تزعج النهضة بشكل كبير

إنه مليشيات الحزب الإسلامي الحاكم، كانت تخطط لاغتيال زعيم الحزب الباجي قائد السبسي. وهددوا برفع شكوى في هذا الصدد إلى محكمة العدل الدولية لأن القضاء التونسي اصبح كما يقولون غير قادر على التصدي لبلطجة مليشيا التهضة.

وفي كانون الاول/ديسمبر 2012، اعلن راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة رفضه مطالب المعارضة ومنظمات اهلية بحل رابطة حماية الثورة وقال انها "ضمير الثورة" التي اطاحت في 14 كانون الثاني/يناير 2011 بالرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وفي 18 تشرين الاول/اكتوبر 2012 قتل محسوبون على الرابطة لطفي نقض منسق حزب "نداء تونس" العلماني المعارض خلال تظاهرة نظمتها رابطة حماية الثورة في تطاوين (جنوب)، كما شاركوا في اعمال عنف استهدفت صحافيين ونقابيين وفنانين ومعارضين.

وينص الفصل 95 من مسودة الدستور التونسي الجديد على ان "الدولة وحدها التي تنشئ القوات المسلحة (الجيش) وقوات الامن الوطني، ولا يجوز انشاء تنظيمات او اجهزة مسلحة غير منضوية تحت الجيش الوطني أو الامن الوطني الا بمقتضى القانون".

وقالت الجمعية التونسية الاورومتوسطية للشباب "وجب منا جميعا التصدي لهذا الفصل وحصر التسلح للجيش والامن الوطنيين لا غير واعتبار تهمة حمل السلاح خارج اطارهما جريمة ترقى الى درجة الخيانة العظمى".

ودعت الى تعديل الفصل 95 ليتضمن ان "الدولة وحدها التي تنشئ القوات المسلحة (الجيش) وقوات الامن الوطني، ولا يجوز انشاء تنظيمات او اجهزة مسلحة غير منضوية تحت الجيش الوطني أو الامن الوطني".

وكان حقوقيون وسياسيون تونسيون قد انتقدوا في وقت سابق فصولا في مسودة الدستور التونسي الجديد تحجر أي تتبع قضائي أو جزائي ضد عضو مجلس الشعب في فترة أدائه لمهامه، وتمنح الحصانة القضائية لرئيس الجمهورية، أو تشكل خطرا مباشرا على حقوق المراة ومكتسباتها.

ودعا هؤلاء الحقوقيون إلى تعديل هذه الفصول نظرا لخطورتها على الحريات التي ينشدها التونسيون.

وقال الخبير في القانون الدستوري قيس سعيد إن الفصل المتعلق بحصانة رئيس الدولة نسخ ما ورد في أول دستور تونسي والذي تم إعداده في يونيو/حزيران 1959.

وتساءل سعيد "فإذا تمتع رئيس الجمهورية بحصانة دائمة فكيف يمكن ملاحقته جزائيا في حال ارتكاب جريمة الخيانة العظمى"، مشيرا إلى أن الحصانة من غير الممكن أن يتمتع بها رئيس الجمهورية بصفة أبدية لا سيما تلك التي يمارسها لدى أدائه لمهامه؟

من جهتهن، نبهت ممثلات عن جمعية رابطة الناخبات التونسيات والجمعية التونسية للحقوقيات إلى خطورة الفصل 148 من الدستور التونسي الجديد لأنه يقوّض فصول أخرى تنص في ديباجتها على عدد من حقوق المرأة.

وأكدت الممثلات خلال ورشة عمل انعقدت بتونس حول "قراءة لوضع حقوق النساء على ضوء مسودة الدستور الثانية "ان الصيغة الجديدة للدستور تضمنت عديد التلاعب بالألفاظ.

وقالت سلسبيل القليبي مساعدة بكلية العلوم القانونية بتونس في مداخلة حول "دراسة مقارنة بين وضع حقوق النساء في المسودة الأولى والمسودة الثانية" ان صياغة الدستور جاءت عموما متقطعة مما ترتب عنها التكرار والتضارب.

ورأت ان بعض الفصول كالفصل 7 الذي جاء فيه "تضمن الدولة حماية حقوق المرأة ودعم مكاسبها" كانت في غير محلها. واعتبرت انه على غاية من الرداءة من حيث صياغته ومن الناحية اللغوية لأنه لا معنى للإقرار بان الدولة تضمن حماية حقوق المرأة.

وأضافت "كل الفصول المتعلقة بالحقوق والحريات تحيل الى المواطن دون المواطنة بحجة ان صيغة المذكر جامعة في اللغة العربية، والحال أن التجربة أثبتت ان هذه الصياغة استعملت للدعوة إلى إقصاء المرأة من بعض المناصب وبالتحديد من الترشح لرئاسة الجمهورية.