دروس من استقالة حالوتس

دان حالوتس جنرال اسرائيلي قاد القوة الجوية الصهيونية وتميز اداؤه فيها بالعنف والسادية، فكان المنفذ الاكبر لسياسة إرهاب الدولة التي مارسها الكيان الصهيوني ضد أهالي قطاع غزة. وفي حقبة قيادته لسلاح الجو الصهيوني، نفذت أبشع أنواع الاغتيالات وما رافقها من مجازر، تلك التي لم يتصد المجتمع الانساني لإدانتها ونال القصاص بمرتكبيها بسبب التعنت الأمريكي المساند للارهاب الصهيوني الرسمي.
لقد كان حالوتس يفخر بعدد الضحايا الابرياء الذين تقتلهم طائراته المسيرة بدون طيار أو التي يقودها طيارون ساديون مثل قائدهم. وعندما سؤل عقب واحدة من المجازر التي نفذها في غزة فيما إذا كان سينام ليلته تلك بعد ان نفذ مذبحة مروعة للابرياء قال "سأنام بكل راحة". وهو تصريح أزعج كل ذوي ضمير حي في شرق العالم وغربه.
وعندما تضايق شارون من رئيس أركان جيشه الجنرال موشيه يعلون بعد أن أطلق سلسلة من التصريحات التي تتنافى مع رغبات وتطلعات شارون ومنها تصريحه بخصوص المرتفعات السورية والذي قال فيه "ان الجيش الاسرائيلي قادر على الدفاع عن اسرائيل حتى لو تم التنازل عن الجولان" فهو بذلك وبصفته المسؤول التنفيذي الاول عن الدفاع الميداني عن إسرائيل، أسقط ذرائع شارون ونتنياهو التي تتعكز على فرية التمسك بالاراضي العربية المحتلة (المرتفعات السورية والضفة الغربية) لحيويتها في الدفاع عن الكيان الصهيوني لذا عوقب يعلون بعدم التمديد له كما جرت العادة مع رؤساء الاركان المنتهية مدة بقاؤهم في المنصب.
وكان صعود قائد القوة الجوية الجنرال حالوتس نذيرا بأن اسرائيل ستخطط لعمل إقليمي غير عادي يتمثل بالاجهاز على القدرات النووية الايرانية. ولكن الامور جرت على غير الاتجاه الذي اعتادت اسرائيل دفعها نحوه والسيطرة على مجرياتها. ففعلت المقاومة اللبنانية الباسلة ما فعلت.. وكان ما كان.
لقد بان فشل رئيس أركان الجيش الاسرائيلي وارتباكه الذي دمر بقايا الصورة الاسطورية للجيش الاقوى في المنطقة، منذ بداية الحرب التي بدأت في الثاني عشر من تموز/يوليو المنصرم، وكان حالوتس قد حققه طموحه الشخصي بالحاق الضرر الكبير بالبنية التحتية للبنان عملا بما تمليه عليه أسفار العهد القديم، ومع الهزائم التي كانت تترى والفشل الذي كان يتفاقم، برزت رؤوس الحراب التي تنوي الاقتصاص من حالوتس كونه غير جدير في منصبه. ولم تشفع له كل "إنجازاته" الدموية والارهابية السابقة التي نفذها في قطاع غزة.
وخضع الرجل الاول في المؤسسة العسكرية الاسرائيلية لتحقيق متشعب الجوانب، فهو عمل على تحقيق منفعة شخصية له باستخدام نفوذ منصبه وما أتاح له المنصب من معرفة وتصور لما سيجري في شتى المجالات ومنها الاقتصادي، فقام ببيع أسهمه المالية التي تبلغ 120 ألف شيكل. وان العمل في قيادة الحرب كان مرتبكا خصوصا وان التنسيق بين الاسلحة المختلفة كان غائبا، وان التوقيتات كانت غير موفقة، بدليل ان ثلاثين جنديا اسرائيليا قتلوا بعد أن كانت نتائج الحرب واضحة وان الكفة صارت لصالح المدافعين اللبنانيين الابطال، وكان بمقدوره تلافي المعركة الخاسرة التي قتل جراءها أولئك الجنود الثلاثون.
ونسفت المشاريع والخطط الاسرائيلية المستقبلية الخاصة بالعمل الاقليمي ضد إيران، أو قل تعرقلت كثيرا، فاضطر حالوتس في النهاية الى تقديم استقالته وهو يلعن اليوم الذي رشحه فيه شارون لهذا المنصب الرفيع ليصير منبوذا من قبل المجتمع الاسرائيلي المتعسكر وموضع نقمة الجميع في ذلك المجتمع.
فالواضح هنا أن تحقيقا جديا جرى، وان نتائج هذا التحقيق كانت ضد الجنرال حالوتس بصرف النظر عن خدماته السابقة ومكانته عند الطبقة المتنفذة سياسيا، وان المجتمع الاسرائيلي متابع لذلك التحقيق وعلى معرفة بمجرياته، وان حالوتس اعترف بتقصيره وسارع الى التنحي عن المنصب الاعلى في المؤسسة العسكرية.
هذان الدرسان غائبان عن واقعنا العربي. فنحن نسمع عن آلاف التحقيقات التي تجري ضد المسؤولين، والنتيجة ان التحقيق يحفظ في أدراج الاقبية المظلمة لا تصلها غير الجرذان والارضة، وان آلاف التحقيقات جرت في العراق منذ احتلاله وحتى اليوم دون أن نسمع عن أية نتيجة لها، وان المسؤولين العرب يبررون فشلهم في إداء مهامهم ويجدون الذرائع فيحولون أنفسهم الى ضحايا يستحقون التماهي فلا يطالهم القانون أبدا. أليس ما يجري في العراق دليل على ذلك؟ فهل يستطيع أحد أن يقول للمسؤولين في شتى المستويات من المجالس البلدية وحتى الوزارات: أين دوركم وماذا فعلتم وإلى أين أنتم سائرون؟ حسن عبيد عيسى