درس إعلامي من رحيل ثاتشر

الخبر السيء، خبر جيد

البريطانيون يقولون “لا أخبار، هذا يعني خبرا حسنا” وهم في هذه الحالة يرفضون القاعدة الصحفية القائلة بأن الأخبار السيئة هي أخبار جيدة!

ويمكن أن نضع خبر رحيل رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر في خانتين وفق الجمهور، فهو خبر سيء وجيد في آن واحد، نعرف لماذا سيء، فالموت لم يجلب في يوم ما المسرة، أما لماذا هو خبر جيد فذلك ما تكشفه لنا الصور التلفزيونية التي بثتها هيئة الاذاعة البريطانية “بي بي سي” عن احتفال مجاميع من الناس ظلوا يمقتون المرأة الحديدية وحكمها في حياتها وحتى بعد رحيلها، الأمر الذي دفعهم الى فتح زجاجات الشمبانيا وسحق صورها بالأقدام بعد إعلان خبر وفاتها،مما دفع جهات سياسية وشعبية إلى اتهام "بي بي سي" بعدم الحيادية، وانحيازها في تغطية وفاة ثاتشر.

لم تترد “بي بي سي” في بث هذه الصور وفق قيم الحساسية الاخبارية التي تعلن عنها. موت ثاتشر هو حدث صحفي بامتياز، وتصنع مادته الاخبارية ليس في خبر الموت المتوقع، بل في تداعيات الخبر والتاريخ السياسي للمرأة التي بقيت على رأس حزب المحافظين والحكومة ما يقارب العقد، ويمكن لوسائل الاعلام العربية ان تصنع مادتها التي تهم المتلقي العربي عن ثاتشر وسنوات العرب آنذاك، فهل صنعت من الحدث مادتها الاخبارية؟

بعض الصحف العربية عالجت خبر رحيل مارغريت ثاتشر في الهامش وليس المتن، على اعتبار انها غير معنية به، فيما كان يمكن ان تصنع من دلالته ما شاب العلاقة القلقة بين العرب آنذاك وحكومة ثاتشر، وكيف تمت صناعة التاريخ السياسي في عقد مضطرب مر على العالم العربي لعبت بريطانيا دورا فعالا فيه.

في الصحافة البريطانية، كان خبر رحيل المرأة الحديدية درسا إعلاميا بامتياز، وكأن رجالها قد خططوا للأمر مسبقا “ولم لا؟”. بعض الصحف خصصت المتن والهامش، وبعضها اضافت ملحقا عن تلك المرأة، وبغض النظر عن التآسي أو الفرح برحيلها، فهكذا تصنع المادة الصحفية.

لكن صحفي مثل تشارلز مور رئيس التحرير السابق في “ديلي تلغراف”، كان ثمة ما ينتظره بعد رحيل ثاتشر، هو الذي كتب سيرة البارونة الذاتية عام 1997 بعنوان “لا للانعطاف” على ألا تنشر في حياتها، وهاهي باتت جاهزة اليوم، لتضاف الى كتب أخرى عن سيرة هذه المرأة.

تشارلز مور ولا للانعطاف

“لا للانعطاف” كتاب بحس صحفي سيكون متوفرا بمجرد الانتهاء من جنازة المرأة التي تركت أثرا في التاريخ، لا نتفق عليه ان كان طيباً أم لا.

ومور لم يعد يجد حرجا في نشر السيرة الجديدة، بعد ان صمت كل تلك السنوات وتفرغ لكتابة ما أحاط بهذه المرأة وبظلها، منذ ان ترك موقعه كرئيس تحرير عام 2003. حيث اطلع على رزم من المراسلات الشخصية لثاتشر خصوصا مع شقيقتها الكبرى موريل، وجلس أمامها لساعات لمجرد الاستماع. باختصار، سيكون هذا الكتاب وفق صحيفة “الغارديان” مرجعا مذهلا لمعلومات ما كان لها أن تعلن في حياة مارغريت ثاتشر.