دراسة: التجارب الاقليمية البرلمانية واشكالات البرلمان العربي الموحد

بقلم: د. خليل حسين

يعتبر البرلمان العربي تجسيدا لآمال وطموحات الجماهير العربية، وليس بالضرورة تقليدا للذي سبق الامة العربية في هذا المجال ولا محاكاة للغير وتدليلا على وجه من وجوه الديموقراطية، بل بهدف احداث نقلة نوعية في مجال العلاقات العربية – العربية، ولا يعتبر البرلمان العربي نوعا من التعلق بالاحلام الوردية للجماهير العربية، بقدر ما هو تحريك لما هو قائم، وتطوير لما يجب ان يكون.
فتأسيس البرلمان العربي يعد بحد ذاته نقلة نوعية هامه في تحقيق بعض المظاهر التي تعتبر بنظر الجماهير العربية حدا ومجالا تسعى اليه بقوة وباصرار ومنها:
- ان البرلمان العربي يتيح تمثيلا شعبيا بين الاقطار العربية بعدما اقتصر التمثيل بينها على الاطر الرسمية، الامر الذي يساعد بشكل جذري على تشكيل اطر جديدة للعلاقات العربية - العربية.
- ان التمثيل الشعبي يساعد بشكل ملموس واكيد الحكومات العربية على الاستناد الى الرأي العام الشعبي في مجال علاقاتها العربية او غير العربية وفي اتخاذ قراراتها بقوة وفاعلية دون حرج، او تباعد بين مواقفها ومواقف شعوبها.
- ولو افترضنا ان هناك تباعدا بين ما يمكن ان يتخذ من قرارات على صعيد الحكومات وما يمكن ان يتخذ عبر البرلمان العربي، لهو امر صحي وذات دلالات هامة في مجال التنوع، الامر الذي يساعد على تطوير الافكار واطر القرارات والتوصيات المطروحة للتنفيذ.
- ان تأسيس البرلمان العربي يعتبر خطوة هامة على طريق تحقيق التكامل العربي في العديد من المجالات باعتباره يشكل مظهرا للعديد من المسائل وأبرزها:
• تمثيل الرأي العام العربي
• مساندة الحكومات العربية.
• تطوير العلاقات العربية – العربية.
• تهيئة الطريق لانجاز التكامل العربي المنشود.
ان الوصول الى تأسيس البرلمان العربي يتطلب مراعاة العديد من الامور والمسائل المتعلقة بالوضع العربي بشكل عام، حتى لا يأتي المشروع يوتوبيا غير قابل للتطبيق، وفي نفس الوقت لا يجوز المغالاة والذهاب بعيدا في اظهار العقبات، وعلى اي حال ان استعراض العديد من التجارب الاقليمية في مجال الاتحادات البرلمانية او البرلمانات الموحدة تعطي افكارا يمكن التعامل معها بهدف تسهيل تأسيس البرلمان العربي. اولا: التجارب الاقليمية في مجال التكامل البرلماني هناك العديد من التجارب الاقليمية المتعلقة بالتكامل البرلماني التي يمكن الاستفادة منها لناحية التشكيل او الصلاحيات المناطة بها، وصولا الى المدى الذي وصلت اليه، وسنستعرض ابرزها:

1- الجمعية البرلمانية لغرب اوروبا:
تأسست هذه الجمعية في العام 1954 تطبيقا لمعاهدة بروكسل المنشأة للاتحاد، وتنص المادة الاولى من النظام الاساسي للجمعية الذي تمّ اقراره في العام 1955 على الوظائف التي تضطلع بها ومنها ما يتعلق بمعاهدة بروكسل، او ما يطرحه الاتحاد عليها طلبا للرأي، كما يمكن للجمعية الطلب لوزراء الدول الاعضاء التحدث امامها، كما لها دعوة رؤساء دول وحكومات للتحدث امامها، ولها ان تنظم مؤتمرات وندوات يحضرها برلمانيون وخبراء لمناقشة قضايا سياسية وتكنولوجية وبرلمانية وغيرها.
اما ابرز ما يلاحظ في هذه الجمعية عدم التساوي في توزيع مقاعد الدول المنضمة اليها، اذ بلغ عدده 115 عضوا موزعين لكل من فرنسا والمانيا وايطاليا وانكلترا 18 عضوا، وسبعة مقاعد لكل من بلجيكا واليونان والبرتغال وهولندا، فيما لاسبانيا 12 مقعدا وللكسمبورغ ثلاثة مقاعد.
ومن ذلك يمكن تسجيل بعض الملاحظات على ان الجمعية ذات طابع استشاري وليس لها صفة تشريعية، وقد اخذت بمبدأ عدم التساوي في تمثيل الدول الاعضاء.

2- الجمعية البرلمانية لحلف الاطلنطي:
ظهرت فكرة الجمعية في اوائل الخمسينات بهدف ادارة حوارات بين برلمانيي الدول الاعضاء في حلف الاطلسي، وبدأت تنفيذ الفكرة بتأسيس المؤتمر السنوي لبرلمانيي التاتو في العام 1955، والذي اصبح يعرف فيما بعد بالجمعية البرلمانية للحلف.
في العام 1967 اوصى مجلس حلف الاطلسي بايجاد علاقة غير رسمية بين المجلس وبين الجمعية، وفي العام 1974 اصدر قادة الدول الاعضاء في الحلف بيانا حول العلاقات الاطلسية اشار فيه الى ان تماسك الحلف يتجلى في تبادل الرأي الحر بين الممثلين المنتخبين في الدول الاعضاء، وبهذا عزز هذا الاعلان دور الجمعية دون ذكرها صراحة.
وفي الواقع انه على عكس الجمعية البرلمانية لاتحاد غرب اوروبا، فان معاهدة حلف الاطلسي لا تتضمن نصا على انشاء مثل هذه الجمعية، وعليه فانه لا توجد علاقة بين الجمعية البرلمانية للحلف والحلف ذاته.
ومن ذلك يمكن ابداء الملاحظات التالية وابرزها: ان الجمعية هي اقرب الى المؤتمر منها الى الجمعية البرلمانية، وهي بمثابة المنبر للحوار بين البرلمانيين حول القضايا السياسية والامنية والاقتصادية المرتبطة بالحلف, كما تهدف الى التبادل والتشاور بين البرلمانيين الذين يمثلون في الواقع الاحزاب السياسية التي ينتمون اليها في دولهم.

3 - البرلمان الاوروبي الموحد:
نصت معاهدة باريس التي انشأت الجماعة الاوروبية للفحم والصلب في العام 1951 على تأسيس جمعية برلمانية، وقد اجتمعت للمرة الاولى في العام 1952.
وفي العام 1957 وقعت كل من فرنسا والمانيا وايطاليا وبلجيكا واللكسمبورغ معاهدة روما التي انشأت بموجبها الاتحاد الاوروبي، وقد بلغ عدد اعضاء البرلمان الاوروبي بموجب تلك المعاهدة 142 عضوا يختارهم البرلمانات الوطنية، وكما الامر في الجمعية البرلمانية لغرب اوروبا، فان البرلمان الاوروبي ضم عددا غير متساويا للدول الاعضاء، فكان لكل من فرنسا والمانيا وايطاليا 36 مقعدا، فيما اعطيت كل من بلجيكا وهولندا 14 مقعدا، و6 مقاعد للكسمبورغ؛ وفي العام 1973 زاد عدد اعضاء البرلمان الى 198 عضوا بعد انضمام بريطانيا ومنحها 36 مقعدا و20 مقعدا لكل من الدانمارك وايرلندا.
وفي العام 1979 جرى تحول هام في البرلمان الاوروبي اذ انتخب اعضائه لاول مرة في انتخابات مباشرة في الدول الاعضاء وبحيث بلغ عدد الاعضاء 410، بعد تعديل النسب للدول الاعضاء، اذ تمّ تمثيل كل من فرنسا والمانيا وبريطانيا وايطاليا ب 81 عضوا، 25 لهولندا و24 لبلجيكا، و16 للدنمارك و15 لايرلندا، و6 للكسمبورغ؛ وقد تمت الانتخابات المباشرة للبرلمان بشكل دوري كل خمس سنوات ؛ يذكر ان عدد الاعضاء قد تمت زيادته بازدياد الدول المنضمة الى الاتحاد، اذ وصل الى 626 عضوا في العام 1995 بعد انضمام كل من اليونان في العام 1981 واعطائها 24 مقعدا، واسبانيا والبرتغال في العام 1986.
ويمكن تسجيل ملاحظتين اساسيتين في هذا المجال، انه منذ العام 1979 تم انتخاب الاعضاء بشكل مباشر في دولهم، وان تمثيل الدول لم يكن متساويا من حيث عدد المقاعد، والملاحظة الهامة الاخرى في البرلمان الاوروبي ان الاعضاء يجتمعون كمجموعات سياسية وليس كمجموعات وطنية، اذ توجد ثماني مجموعات سياسية ومجموعات من المستقلين، على انه من الملاحظ ان هذه التركيبة تمثل كافة التيارات السياسية الموجودة في الاتحاد، وفي هذا المجال يشترط لتكوين مجموعة سياسية 29 عضوا اذا كانوا ينتمون لدولة واحدة، 23 اذا كانوا ينتمون لدولتين، و18 لثلاث دول، و14 لاربع دول.
اما لجهة الصلاحيات التي مر فيها البرلمان الاوروبي فكانت متدرجة منذ العام 1957، وبخاصة بعد توقيع القانون الاوروبي الموحد في العام 1986 , ومعاهدة الاتحاد الاوروبي في العام 1992. فقد تدرجت الصلاحيات من الصفة الاستشارية وفقا لمعاهدة روما 1957 الى ان وصلت الى مستوى المشاركة السياسية في اتخاذ القرارات لجانب المجلس الاوروبي، اذ ان هناك اربعة اجراءات تشريعية يمكن للبرلمان الاوروبي ممارسة سلطات تشريعية على النحو التالي:
- التشاور: وبموجب هذا الاجراء يجب الحصول على رأي البرلمان قبل ان يتم تبني المجلس لاقتراح تشريعي من اللجنة الاوروبية، ويكون الهدف من هذا الرأي التأثير علىقرار المجلس.
- التعاون: وفي هذا الاجراء، اذ لم يتم اخذ رأي البرلمان وفقا للاجراء السابق من قبل المجلس، فان للبرلمان ان يعترض على الاقتراح بقراءة ثانية، وفي هذه الحالة لا يجوز للمجلس ان ينسخ اعتراض البرلمان الا بالاجماع.
- القرار المشترك: وفي هذا الاجراء يشارك البرلمان المجلس في صنع القرار، واذ لم يتمكن من ذلك يستطيع البرلمان من منع تبني الاقتراح، ولتفادي حدوث مشكلة في هذا الامر، تجتمع لجنتين من المجلس والبرلمان للوصول الى حل وسط واذ لم يتم التوصل الى حل نهائي فللبرلمان منع الاقتراح على نحو حاسم ؛ وتعتبر هذه الصلاحية من اهم صلاحيات البرلمان في الوقت الراهن، وتتجلى هذه الصلاحيات في القضايا المتعلقة بالعمالة، وتأسيس الاسواق الداخلية والتطوير التكنولوجي، والبيئة والتعليم والثقافة وحماية المستهلك، والصحة.
- الموافقة: اذ في هذا الاجراء يتوجب موافقة البرلمان على العديد من القضايا ومنها، انضمام دول جديدة الى الاتحاد الاوروبي، واتفاقيات المشاركة مع اطراف ثالثة، وعقد اتفاقيات دولية، وكذلك الموافقة على الميزانية السنوية، وتعيين المسؤول عن التحقيق في حال حدوث منازعات بين افراد دول الاتحاد.
4- الجمعية البرلمانية لمنظمة الامن والتعاون الاوروبي:
يعتبر ظهور هذه المنظمة كنتيجة لمؤتمر قمة الامن والتعاون في اوروبا الذي انعقد في العام 1990، وتلاه اجتماع في مدريد عام 1991 وهو الاجتماع الاول للبرلمانيين الذين ينتمون الى الدول ال55 التي حضرت القمة الاولى حيث وضع اسس تكوين الجمعية ووظائفها.
وتتمتع برلمانات الدول الاعضاء في منظمة الامن والتعاون الاوروبي بعضوية الجمعية البرلمانية للمنظمة، التي تضم 317 برلمانيا يمثلون 55 دولة. والملاحظ انها ليست لها اي سلطة تشريعية وتقتصر مهامها على الحوارات البرلمانية وتقديم الدراسات لما يفيد اهداف المنظمة وتيسير تنفيذ اهدافها.

5- برلمان اميركا اللاتينية
تأسس هذا البرلمان في العام 1964، وهو طبقا لنظامه الاساسي، مؤسسة ديموقراطية ذات طبيعة دائمة تمثل كافة الاتجاهات السياسية في الكيانات التشريعية للدول المنضمة.
ويضم البرلمان ممثلين عن 22 دولة من دول اميركا اللاتينية والكاريبي، ويقوم هذا البرلمان بتحليل المشروعات والدراسات المتعلقة بأمور المنطقة، وبما يصل الى درجة المقترحات التي تنفذ من قبل البرلمانات الوطنية للدول الاعضاء.
اما لجهة تكوين البرلمان، فهو يضم ممثلين عن الدول لكل واحدة 12 عضوا لكل منهم صوت واحد، اما اذا تمثلت الدول بوفد اقل من ذلك فلكل ممثل 4 اصوات على ان لا يزيد عدد اصواتها عن ال 12 صوتا. ومن هنا يتضح ان البرلمان اللاتيني اخذ بقاعدة المساوة بين الدول لجهة التصويت بصرف النظر عن حجم التمثيل الذي ترسله للاجتماعات او غيره من الاعمال التي يقوم بها.

ومن كل ما سبق يمكن ادراج الملاحظات التالية في سياق تقويم البرلمانات السالفة الذكر وابرزها:
- ان كل التجارب السالفة الذكر باستثناء البرلمان الاوروبي لا تتمتع يسلطات تشريعية تذكر.
- ان جميعها باستثناء البرلمان الاوروبي والجمعية البرلمانية لغرب اوروبا شكلت على قاعدة المساواة بين الدول الاعضاء.
- ان البرلمان الاوروبي هو الوحيد الذي تمّ انتخابة بشكل مباشر في الدول الاعضاء. ثانيا: اشكالات البرلمان العربي الموحد ان النظر بموضوعية الى التجارب السالفة الذكر في مجال البرلمانات الاقليمية، تعطي فكرة واضحة عن ان اي تجربة تكاملية لا يمكن ان تنطلق من الفراغ، وانما ارتكزت الى معطيات معينة ساهمت بعضها بشكل اساسي الى ايصال العمل التكاملي الى مستويات هامة وواعدة، ومن ابرزها التجربة الاوروبية، وبخاصة البرلمان الاوروبي الموحد ؛ فكما اسلفنا ظهر كنتيجة لتراكمات متنوعة ومتعددة من العمل المستمر لتحقيقه ومرَّ بمراحل هامة رغم تواضعها قبل الوصول الى ما هو عليه اليوم.ويهمنا في هذا الامر مدى الامكانية للاستفادة من هذه التجربة على الوضع العربي لتأسيس البرلمان العربي الموحد، بصرف النظر عن المعوقات والتحديات التي يمكن ان تواجه مثل ذلك المشروع التكاملي العربي.
ومع التسليم بأن هناك فروقا هامة بين الوضعين الاوروبي والعربي لناحية اقامة البرلمان الموحد ومدى مساعدة او عدم مساعدة العديد من الظروف على اقامة مثل هذا العمل التكاملي، فان القاء الضوء على بعض الاشكالات التي تعوق تأسيس البرلمان العربي بالشكل المفترض ومحاولة ايجاد الحلول، لهو امر يساعد الى حد كبير في تخطي الاشكالات وتحقيق بعض ما تصبو اليه الجماهير والاحزاب العربية وبخاصة القومية منها.
1 – الوضع العربي الراهن:
لا شك بأن الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتجمعات الاقليمية اضافة الى وزنها في المعادلات الاقليمية والدولية تلعب اثرا هاما في اي مشروع تكاملي بين هذه الدول او الكيانات ؛ وما ينطبق على العامة من الدول ينطبق على الدول العربية مع بعض الخصوصيات.
فالظاهرة الطبيعية ان لم نقل القاعدة، ان الميل يزداد نحو التكامل والوحدة بين الكيانات السياسية ذات البعد القومي الواحد كلما ازدادت المخاطر والتحديات عليها، وغريب المفارقات في هذا الموضوع، ان الامة العربية وما تستوعبها من دول نشأت في ظل تحديات دولية عاتية وظلت عرضة للمخاطر القوية باستمرار، واليوم تمر بأسوأ ظروف يمكن ان تشهدها ولا زالت تفتقر الى الحد الادنى من شروط بقائها كدول ذات سيادة حقيقية، فما هي التحديات التي تواجه الامة حاليا ؟ وكيف يمكن تخطيها او المساعدة في تقليل الخسائر قدر الامكان ؟.
ان ما يسود الوضع العربي اليوم هو وضع اشبه ما يكون بالوضع الذي ساد قبل نشوءها، اقطار متفرقة يباعد بينها السياسات والمحاور، وظروف عالمية غير مؤاتية البتة لمصلحتها في الوقت الذي تحاك ضدها المؤامرات وتوريطها بمسائل وأمور تهدف الى تحميلها اثمانا سياسية واقتصادية كبيرة حتى على حساب سياداتها ووحدة اراضيها ؛ الا ان الشيء الوحيد الواعد في هذه الظروف جماهير تلك الدول وما تتطلع اليه، وما يحركها من قضايا تقرب بينها، الامر الذي يساعد على تحقيق وحدة المؤسسة التي يمكن ان تمثلها مهما كبرت وتععدت الصعوبات والمعوقات.
فعلى الرغم من الآثار السلبية التي تركتها العلاقات العربية – العربية على مستوى عملية التكامل، فان اتجاهات وتيارات كثيرة لا زالت تعمل بقوة على تحقيق المثل والاهداف العليا للوحدة العربية خارج المؤسسات الرسمية او في بعضها كجامعة الدول العربية على سبيل المثال، وان كانت في الاصل لم تشر في ميثاقها الاساسي الى اي اطار تكاملي برلماني بين الدول العربية، كما الحال في معاهدة حلف شمالي الاطلسي كمقاربة تكاملية بين الوضعين الاوروبي والعربي رغم ملاحظة الفورقات الهامة بين التجربتين ؛ فالتجربة الاوروبية تمكنت من تخطي العديد من الامور المتعلقة بالمسائل السيادية لمصلحة الوحدة كتجربة البرلمان الاوروبي الموحد، بينما تجربة جامعة الدول العربية لم تتمكن من التخلص من الاطار الذي رسم لها في الاساس والذي لا يتجاوز اطار التعاون ليس الا.
ان الاوضاع العربية الراهنة رغم حساسيتها وحاجتها الماسة الى اطر وحدوية تكون خط الدفاع عن وجودها ومصالحها، تبدو الآن غير مهيأة لمثل تلك الاطر التكاملية للعديد من الاسباب والاعتبارات، الا ان ذلك لا ينفي اهمية العمل على تحقيقها واخراجها الى النور ولو بأطر وبصلاحيات لا تشكل تحديا للدول بحيث يكون البرلمان العربي على سبيل المثال مؤسسة استشارية في المرحلة الاولى وليس له صلاحيات تشريعية ذات صفة سيادية.
2 – التكوين
يمكن ان يثير تكوين البرلمان العربي في المرحلة الراهنة عدة اشكالات منها:
- ما يتعلق بطريقة انتخاب الاعضاء، هل تتم بطريق مباشر من الجماهير في الدولة المعنية ؟ ام يتم اختيارهم او انتخابهم من المجالس الوطنية؟.
- وهل سيتم توزيع عضوية البرلمان بين الدول العربية المنضمة على قاعدة التساوي ؟ ام ان العدد سيكون خاضعا لحجم الدولة كعدد السكان او غيره وفقا لنموذج البرلمان الاوروبي على سبيل المثال.
- وممن سيتكون البرلمان العربي في البداية جميع الدول او بعضها، وما هو المعيار الذي سيتبع في ذلك، سيما وان بعض الدول ليس لها مجالس تمثيلية في الاساس.
ففي المومضوع الاول، فان مشكلة التمثيل يمكن ان تظهر على قاعدة الانتخاب ومن هي الهيئة الناخبة، هل ستكون من قبل الشعب مباشرة وهي الطريقة المنطقية في الاساس على اعتبار ان الممثل في البرلمان العربي يمثل مباشرة من انتخبه، ام ان البرلمانات الوطنية هي التي ستحدد من سيمثلها في البرلمان العربي انتخابا او تعيينا. وهنا تثار قضية اخرى وهي ان بعض الدول العربية لا مجالس تمثيلية فيها، ولا تجري انتخابات نيابية فيها في الاساس، فما هو مصير تمثيل مثل هذه الدول، واذا كان في بعضها الآخر مجالس استشارية فكيف ستحل اشكاليتها.
وفي هذا الاطار يمكن ان يكون التمثيل في المرحلة الاولى انتخاب الاعضاء من قبل المجالس التمثيلية الوطنية، والسماح لوفود من المجالس الاستشارية تمثيل بلدانها في البرلمان، على ان يتم العمل في مرحلة لاحقة ووفق جدول زمني تمليه ظروف الدول العربية تأمين الآليات المناسبة للانتخاب المباشر من شعوب الدول المنضمة اعضاء البرلمان العربي.
اما في الموضوع الثاني المتعلق بحجم التمثيل، فيبدو ان الامر يتخذ اشكالا اكثر حدة خصوصا بعد ازديياد النزعة القطرية بين معظم البلدان العربية وتمسك معظمها بالمساوة دون اعتبار للاحجام والاوزان من مختلف الاوجه. فهل ستقبل الدول ذات الامكانات الاقتصادية والسياسية الكبيرة بمبدأ مساواتها مع الدول ذات الامكانات المتواضعة ؟ وهل ستقبل الدول ذات الحجم الكبير في تعداد السكان تمثيلها بالتساوي مع الدول ذات التعداد القليل ؟ وما هي الآلية المفترضة لارضاء الغالبية في عمليات اقرار التوصيات والقرارات في البرلمان؟
هذه الاسئلة تطرح نفسها لا للاحباط او لتثبيط العزائم، بقدر ما هو امر لايجاد الحلول لها سيما وانها واقعية وموجودة ومطروحة، والا ستعكس نفسها على الصلاحيات التي يمكن ان تمنح للبرلمان. وعلى اي حال لقد جرت معظم الانظمة السياسية في العالم القائمة على الاساس الفدرالي كنظام دستوري، الى تبني ثنائية التمثيل في المجالس التمثيلية، ففي حين يؤخذ بقاعدة عدم التساوي في تمثيل الشعوب في الدول او الولايات، يؤخذ بقاعدة التساوي بين الدول او الولايات في المجلس الموازي للمثلين؛ اي بمعنى آخر اذا انتخب المجلس التمثيلي اي النواب على قاعدة الحجم السكاني، فان المجلس الثاني تتساوى فيه الدول عددا وتصويتا.
ان تجربة البرلمان الاوروبي في مجال التمثيل مر بمراحل متعددة وانتهى به الامر الى الاخذ بالتمثيل غير المتساوي للدول مع آلية في التصويت تضمن للدول الصغيرة التمثيل عدم ضياع مواقفها بين المجموعات الكبيرة، وهو امر منطقي من حيث المبدأ، ومن الافضل السلوك في نفس التجربة ومراحلها في تكوين البرلمان العربي لما يحيط به من ظروف في الآونة الحالية.
اما لجهة شمول الدول العربية جميعها او بعضها فهو امر ذات صلة بمن سيرغب الانضمام الى البرلمان، وبالتالي فان شمول الجميع بشروط معينة تبدو امرا صعبا في ظل الواقع العربي الراهن، ومن الطبيعي ان تبدأ نشأة البرلمان بمن يقبل بالشروط العامة على امل توفير عوامل جذب لانضمام دول اخرى اليه في مراحل لاحقة.
3- الصلاحيات
ان سلطة اي مجحلس تمثيلي هو الجانب التشريعي، الا ان الامر لا يغدو بهذه البساطة، فهو امر متعلق بالمدى المنوي الذهاب به من قبل الدول الاعضاء، فاللاسباب السالفة الذكر، لم توفر غالبية الدول المعنية حتى الآن الارضية او الاجواء المناسبة لمثل ذلك الدور والصلاحية المفترضة لاي مجلس تمثيلي حتى في الشأن الداخلي فكيف بالامور ذات الطبيعة السيادية، لذلك نقترح ان تكون سلطات البرلمان العربي في مراحله الاولى صلاحيات ذات طبيعة استشارية، على امل تطويرها في مراحل لاحقة وفقا لما تقتضيه ظروف الدول العربية ؛ وفي هذا الاطار يمكن الاشارة الى نوع من الصلاحية يمكن ان يبدأ بها، كمشاركته في الموافقة على الاتفاقيات التي تعقد بين الدول العربية قبل ابرامها من قبل البرلمانات الوطنية.
ان الظروف التي تمر بها الدول العربية الآن هي ظروف قاسية جدا، وتتطلب المزيد من الوحدة في المواقف لمواجهتها، ومن الصعب ان تتم عمليات توحيد القرارات العربية الا بايجاد المزيد من المؤسسات التكاملية الفاعلة ومنها البرلمان العربي، باعتباره يمثل جماهير الدول العربية التي تعتبر الاقرب لبعضها البعض من سياسات دولها، وعليه ان اعطاء الاولوية لمثل هذا العمل يشكل تحديا هاما للدول العربية في مواجهة ما يتربص بها من مخاطر كبيرة.
د. خليل حسين
استاذ العلاقات والمنظمات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني drkhalilhussein@hotmail.com