دال الدهر ولعبته .. قراءة تفكيكية في عينية أبي ذؤيب (4 / 7)

فَالعَينُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ حِداقَها ** سُمِلَت بشَوكٍ فَهِيَ عورٌ تَدمَعُ

يقول أبو ذؤيب:

1 - أَمِنَ المَنونِ وَريبِها تَتَوَجَّعُ ** وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ

2 - قالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِباً ** مُنذُ اِبتَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ

3 - أَم ما لِجَنبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَعاً ** إِلّا أَقَضَّ عَلَيكَ ذاكَ المَضجَعُ

4 - فَأَجَبتُها أَن ما لِجِسمِيَ أَنَّهُ ** أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا

5 - أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً **بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ

6 - سَبَقوا هَوَىَّ وَأَعنَقوا لِهَواهُمُ ** فَتُخُرِّموا وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ

7 - فَغَبَرتُ بَعدَهُمُ بِعَيشٍ ناصِبٍ ** وَإَخالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ

8 - وَلَقَد حَرِصتُ بِأَن أُدافِعَ عَنهُمُ ** فَإِذا المَنِيِّةُ أَقبَلَت لا تُدفَعُ

9 - وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها ** أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ

10 - فَالعَينُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ حِداقَها ** سُمِلَت بشَوكٍ فَهِيَ عورٌ تَدمَعُ

11 - حَتّى كَأَنّي لِلحَوادِثِ مَروَةٌ ** بِصَفا المُشَرَّقِ كُلَّ يَومٍ تُقرَعُ

12 - لا بُدَّ مِن تَلَفٍ مُقيمٍ فَاِنتَظِر ** أَبِأَرضِ قَومِكَ أَم بِأُخرى المَصرَعُ

13 - وَلَقَد أَرى أَنَّ البُكاءَ سَفاهَةٌ ** وَلَسَوفَ يولَعُ بِالبُكا مِن يَفجَعُ

14 - وَليَأتِيَنَّ عَلَيكَ يَومٌ مَرَّةً ** يُبكى عَلَيكَ مُقَنَّعاً لا تَسمَعُ

15 - وَتَجَلُّدي لِلشامِتينَ أُريهِمُ ** أَنّي لَرَيبِ الدَهرِ لا أَتَضَعضَعُ

16 - وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها ** فَإِذا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ تَقنَعُ

17 - كَم مِن جَميعِ الشَملِ مُلتَئِمُ الهَوى ** باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا

18 - فَلَئِن بِهِم فَجَعَ الزَمانُ وَرَيبُهُ ** إِنّي بِأَهلِ مَوَدَّتي لَمُفَجَّعُ

ينفتح نص العينية بالإشارة المباشرة إلى دال الدهر الذي يتجلى في الشطر الثاني من البيت الأول، لكن إحالته على دال المنون تتبدى في الشطر الأول من البيت ذاته، وقد روى الأصمعي هذا الشطر: "أمن المنون وَريبِه"، وذهب إلى أن المنون هي الدهر، ولذلك قال في الشطر الثاني: "وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ".

إن الإحالة على المنون والدهر تقترن باستفهام لا يخلو من سخرية، فالتوجع مما تحدثه المنون والدهر ومصائبه، وما تحدثه الشكوك والهواجس التي تنمو داخل النفس الإنسانية، لم يكن أبداً في محله.

إن الدهر ليس بمعتب من يصيبه الجزع والتوجع، إنه لا يرجع عما تكره إلى ما تحب، يمضي بلا تردد، وبلا مراجعة، وبلا عتبى. إن الدهر، كما يتصور مصطفى ناصف "لا يخلو من الرفعة والشموخ، ومن أجل ذلك يمكن أن يلتمس له العذر إذا هو أغضى عن ظواهر الجزع التي تبدو بين حين وآخر".

إن الدهر لا يمكن مساءلته واستجوابه لتبرير وشرح أفعاله، لكن يمكن مساءلة الجسم الإنساني الذي أصابه الشحوب والتغير والسوء (ما لِجِسمِكَ شاحِباً)، وأصابه أيضاً القلق (ما لِجَنبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَعاً).

إن صوت "أميمة" يظهر فجأة في النص (قالَت أُمَيمَةُ)، وأميمة دال يحيل على دوال الأمومة والخصب والتناسل، بعبارة أخرى: يحيل على دوال الحياة واستمرارها، وشحوب الجسم وقلقه علامة تشير إلى علامات تعطل الحياة وفقدان استمرارها، لكن صوت أميمة (صوت الحياة) يقترح المال حلاً لمنع الشحوب والقلق (وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ)، فهل يمكن أن يمنح المال استمراراً للحياة؟

يأتي صوت الراوي أو الشخص الأول (الصوت الذي ينطق بضمير المتكلم) في نص العينية بالإجابة: "فأجبتها"، والإجابة تعلن أن ما أصاب الجسم من الشحوب والقلق ليس مصدره الابتذال في الأعمال (منذ ابتذلت)، وإنما إيذاء الأبناء وهلاكهم، والعاقبة هذه الغصة التي أصابت النفس، فحرمت الجسم النوم، وأصابته بالحزن والدمعة التي لا تنقطع ولا تكف.

إن صوتها "أميمة" يشهد بعملية الانهيار الجسدي ويقترح المال حلاً ووسيلة لإنقاذ الجسد، لكن صوته (الشخص الأول) يؤكد الفاجعة ويستسلم إلى اليقين بحتمية الموت، وقدرة الدهر الهائلة على العبث بالجسم والأبناء والحياة والتوالد والتناسل والاستمرار.

وأمام هذه الفجيعة لا يملك صوت الراوي إلا أن يستسلم لليقين الفاجع، ويختفي التساؤل تماماً منذ البيت الرابع، فالتساؤل حتى ولو كان استفهاماً، فإنه يحمل نوعاً من الشك والريبة وزلزلة اليقين.

يستسلم النص إلى رؤية وثوقية بحتمية الموت، وقدرة الدهر الفاجع على تدمير الحياة والعبث بأبجدياتها، وتأتي العبارات والدوال مفعمة بثبات تلك الرؤية:

- وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ (البيت رقم 6).

- وَإخالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ (البيت رقم 7).

- فَإِذا المَنِيِّةُ أَقبَلَت لا تُدفَعُ (البيت رقم 8).

- أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ (البيت رقم 9).

لقد عبث الدهر بالحياة، وفقد الإنسان القدرة على مقاومته، ولم يعد أمام الإنسان في قوس الصبر منزع، فيندفع محموماً إلى النهاية، وكأنه يهوها ويعشقها، لقد أدرك الأبناء النهاية قبل أن يدركها الآباء، واستجابوا للنداء الآسر، وأعنقوا لهواهم فمضوا سريعاً إلى الموت. ويبدو أن دفاع الآباء عن الأبناء هو دفاع عن استمرار الحياة، ودفاع عن التناسل والبقاء ومقاومة الفناء، ولكن هل يجدي الدفاع شيئاً أمام سطوة الدهر وقدرته على إفساد الحياة؟

لقد ثمل الإنسان بالنهاية، وانتشى بالهزيمة، واعتاد على الحوداث التي تصيبه (كُلَّ يَومٍ تُقرَعُ)، ولم يعد أمامه غير انتظار النهاية، غير انتظار التلف والفساد المقيم (لا بُدَّ مِن تَلَفٍ مُقيمٍ) الذي سيلحق به أينما كان، وأصبح البكاء على الحياة واستمرارها نوعاً من السفاهة والترف (وَلَقَد أَرى أَنَّ البُكاءَ سَفاهَةٌ)، لقد أدرك الإنسان الحقيقة الأبدية، وهذا الإدراك يدفعه إلى نوع من التجلد والصبر أمام الشامتين. إنه يرفض الاستسلام على مستوى الظاهر من أجل شماتة الشامتين، لكنه رفض يائس يجد مبرره في مصائب الدهر ونوازله التي تصيب الجمع الإنساني عامة:

كَم مِن جَميعِ الشَملِ مُلتَئِمُ الهَوى ** باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا

وإذا كان الجمع الإنساني يتصدع ويفجع من حوادث الدهر ونوازله، فإن صوت الراوي (الشخص الأول) يغلق الحلقة الأولى مؤكداً من جديد فجيعته أمام موت الأبناء وأهل المودة، فجيعته أمام انقطاع ديمومة الحياة، تلك الفجيعة تفيض بالأسى والانكسار والهزيمة، وتفيض بالحزن والجزع.