دال الدهر ولعبته .. قراءة تفكيكية في عينية أبي ذؤيب (3 / 7)

شاعر فحل لا غميزة فيه ولا وهن

أبو ذؤيب الهذلي شاعر ينتمي إلى طبقة الشعراء المخضرمين ممن أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم وحسن إسلامه، ويعد من فحول الشعراء، فلقد كان فصيحاً كثير الغريب، متمكناً في الشعر. وضعه "ابن سلام" في الطبقة الثالثة مع النابغة الجعدي والشماخ ولبيد، كما وضعه أبو زيد القرشي في الطبقة الخامسة الخاصة بأصحاب المراثي. ووصفه "ابن سلام" بقوله: "كان أبو ذؤيب شاعراً فحلاً لا غميزة فيه ولا وهن"، وروي أيضاً أن حسان سئل: "من أشعر الناس، قال: حياً أو رجلاً؟ قال: حياً، قال: أشعر الناس حياً هذيل، وأشعر هذيل غير مُدَافَعِ أبو ذؤيب".

وقصيدة أبي ذؤيب العينية، التي نحاول قراءتها، يرثي بها أبناءه، فلقد هلك له خمسة بنين في عام واحد أصابهم الطاعون، وفي رواية أخرى: كان له سبعة بنين شربوا من لبن شربت منه حية ثم ماتت فيه، فهلكوا في يوم واحد، وربما كانت تلك القصيدة سبباً في تقدمه على شعراء هذيل، وذكر الحموي في "تجريد الأغاني" أن "أبا ذؤيب تقدم على جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التي يرثي بها بنيه".

يتجلى نص العينية في تسعة وستين بيتاً في ديوان الهذليين، ويتشكل من أربع حلقات شعرية متصلة ومنفصلة في آن، وعملية اتصالها تشير إلى انتشار دال الدهر ولعبته في النص ككل، وعملية الانفصال تشير إلى إحالة دال الدهر إلى دوال أخرى، تلك الإحالة تؤكد عملية الاتصال من ناحية، وانتشارية دال الدهر من ناحية أخرى.

بعبارة أخرى: إن الحلقة الشعرية الأولى تسلمنا إلى الحلقة الثانية، والثانية تسلمنا إلى الثالثة، والثالثة تسلمنا إلى الرابعة، والرابعة تسلمنا مرة أخرى إلى الأولى، فالحركة في النص حركة دائرية، أي أنها ليست حركة تصعد من نقطة بداية لتصل إلى نقطة نهاية، إنها تتشكل طبقاً للعبة دال الدهر ومراحه العفوي، ويمكن تمثيل هذه الحركة في النص بالشكل التالي:

إن دال الدهر في الحلقة الأولى يحيل إلى دوال اليقين بحتمية الموت الإنساني وعبثية المقاومة الإنسانية لأفعال الدهر ونوائبه، وتشغل هذه الحلقة من البيت رقم (1) وحتى البيت رقم (18)، وتسلمنا الحلقة الأولى إلى الحلقة الثانية التي يحيل فيها دال الدهر على دوال الحمار والأتن وصراعهما من أجل الحياة، وتنتهي بفجيعة الموت، وتشغل هذه الحلقة من البيت رقم (19) وحتى البيت رقم (40).

وتسلمنا الحلقة الثانية إلى الحلقة الثالثة التي يحيل فيها دال الدهر على دوال الثور الوحشي والكلاب والصياد، وتنتهي بالموت الفاجع، وتشغل هذه الحلقة من البيت رقم (41) وحتى البيت رقم (54)، وتسلمنا تلك الحلقة إلى الحلقة الرابعة التي يحيل فيها دال الدهر إلى دوال الصراع الإنساني وتنتهي أيضاً بالموت، وتشغل هذه الحلقة من البيت رقم (55) وحتى البيت رقم (69)، وكأن هذه الحلقة ترتد مرة أخرى إلى دوال حتمية الموت الإنساني مؤكدة عبثية المقاومة الإنسانية التي تجلت في الحلقة الأولى.

إن دال الدهر يمتلك انتشارية في النص، ويجول فيه من خلال حركة دائرية لا يمكن أن نمسك بتلابيب نهايتها أو بدايتها، إن دال الدهر يتحرك من الأمام إلى الخلف ويتحرك أيضاً من الخلف إلى الأمام، إنه يعبث بالثبات والقولبة، ولذلك يمكن للقارئ أن يبدأ من أي نقطة ومن أي حلقة لأنه سيعود إليها مرة أخرى.