دال الدهر ولعبته .. قراءة تفكيكية في عينية أبي ذؤيب (2 / 7)

الدهر هو الأبد الممدود

دال "الدهر" مثله مثل دوال اللغة، لا يمكن القبض على مدلوله، أو أنه علامة لا يمكن أن نطمئن إلى قسمتها إلى دال (صورة صوتية أو معادلها الكتابي)، ومدلول (مفهوم أو معنى)، وإنما هو دال يحيل إلى سلسلة لانهائية من الدوال، أو هو علامة تحيل إلى سلسلة من العلامات الاستبدالية الخلافية الأخرى.

وتتجلى هذه الإحالة اللانهائية حين معاينة دال الدهر في المعاجم المختلفة، فهذه المعاجم لا تقبض على مدلول ثابت محدد، وإنما تدفعنا إلى لعبة الدال العائم الذي يتأبى على الثبات.

فقد ورد في "لسان العرب": الدهر هو الأبد الممدود، وقيل أيضاً الدهر: ألف سنة، والدهر والزمان واحد، والزمان زمان الرطب والفاكهة، وزمان الحر وزمان البرد، والدهر عند العرب يقع على بعض الدهر الأطول، ويقع على مدة الدنيا كلها، وإن كان هذا هكذا جاز أن يقال الزمان والدهر واحد في معنى دون معنى.

وذكر "ابن سيده" في "المحكم والمحيط الأعظم": أن الدهر قد حكى فيه الدهَر (بفتح الهاء)، فإما أن يكون الدَّهْر والدَّهَر لغتين، وإما أن يكون ذلك لمكان حرف الحلق فيطرد في كل شيء، وجمع الدهر أدهُرٌ ودُهُورٌ، وكذلك جمع الدَّهَر، لأنا لم نسمع أدهاراً.

والدهر في الجمهرة: مدة بقاء الدنيا من ابتدائها إلى انتهائها، وقال آخرون: بل دهر كل قوم زمانهم. ويذكر صاحب القاموس: أن الدهر يعد من أسماء الله الحسنى، وهو أيضاً الزمان الطويل، والنازلة، والهِمَّة، والغاية، والعادة، والغلبة. والدهر هو الزمان والأبد، والدهر هو الله فقد ورد في الحديث الشريف: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر".

ويذكر الجوهري في "الصحاح" أن العرب كانوا يضيفون النوازل إلى الدهر، فقيل لهم لا تسبوا فاعل ذلك بكم، فإن ذلك هو الله تعالى. وأشار الزبيدي إلى أن الدهر يعد من الأسماء الحسنى، لكنه يراه قريباً، وتأوله على أن العرب كان من شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند الحوادث والنوازل تنزل بهم من موت أو هَرَم، فيقولون أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه وأبادهم الدهر، فيجعلون الدهر الذي يفعل ذلك فيذمونه.

ويشير أبو البقاء الكفوي في "الكليات" إلى أن الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من بدايته إلى انتهائه، ويستعار للعادة الباقية ومدة الحياة، وما استمر وجوده مقارناً لكل ساعة بعد ساعة إذا أضيف استمراره إلى الزمان يسمى تلك الإضافة والمقارنة دهراً محيطاً بالزمان.

والدهر هو الأبد بلا خلاف، ويستعمل بمعنى الحين، والحين يقع على ستة أشهر، والزمان في الاستعمال يناوب الحين حتى أريد بالزمان ما أريد بالحين. والدهري هو الذي يقول العالم موجود أزلاً وأبداً لا صانع له. والدهر يعد من الأسماء الحسنى.

أما صاحب كتاب "الألفاظ"، فتحت "باب الأزمنة والدهور"، يذكر أنه يقال: زمن وأزمنة وهو العصر، أي الدهر، والسَّبتُ: الدهر، ومنه قول لبيد: "وقد نرتعي سبتا ولسنا بجيرة"، ومعناه قد نرتعي دهراً ولسنا في جوار أحد من عزنا. ويقال أتى عليه الأزلَمُ الجَذَعُ، يعني به الدهر، ويقال: الأزنَمُ، فمن قالها بالنون فمعناه أن المنايا منوطة به، والأمد: الحين من الدهر.

وورد دال "الدهر" في القرآن الكريم في سورة الجاثية (آية رقم 24)، وفي سورة الإنسان (آية رقم 1)، وأشار القرطبي في معرض تفسيره للآية الكريمة: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (الجاثية 24)، إلى أن دال الدهر يشير إلى السنين والأيام، والعمر والموت، وأيضاً الله استناداً إلى حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم): "لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر"، واستدل بهذا الحديث على أن الدهر من أسماء الله.

إن معاينة دال الدهر في المعاجم المختلفة وفي غيرها يؤكد لعبة الدال، أو الدال العائم الذي لا يمكن أن يقبض على مدلول مفرد أو محدد، ففي تلك المعاينة أحال دال الدهر على الدوال الآتية:

الأبد – الحين – الفترة – ألف – الزمان – اسم من أسماء الله – الأيام – السنون – المنية – المنون – المنايا – الموت – الأزلم – الأزنم – بقاء – النازلة – العادة – الغاية – الأمد – الغلبة – العصر – العمر – الهمة – السبت.

إن كل دال من هذه الدوال يحيلنا إلى سلسلة من الدوال لا تنتهي ولا تتوقف، أو سلسلة من العلامات الخلافية أو الاستبدالية، وإذا تتبعنا تلك الدوال فإننا سوف ندخل في عملية لا يمكن أن نتبين نهايتها، فالدال يحيل إلى سلسلة من الدوال، والدوال تحيل إلى سلسلة جديدة وهكذا.

دال الدهر يحيل إلى دوال لانهائية، ولكن ما هي لعبته في نص العينية لأبي ذؤيب الهذلي؟

أستاذ النقد الأدبي المشارك ـ كلية دار العلوم – جامعة المنيا