دال الدهر ولعبته .. قراءة تفكيكية في عينية أبي ذؤيب (1 / 7)

ليس ثمة شيء خارج النص

هل يمكن أن نغامر بقراءة نص قديم على ضوء أطروحات نظرية جديدة؟ أو بعبارة أخرى: هل يمكن أن نقرأ عينية أبي ذؤيب الهذلي، وهي نص ينتمي إلى كلاسيكيات الأدب العربي، من خلال الفكرة القائلة بلعبة الدال أو مراح الدال العفوي الذي يتأبى على القولبة والثبات؟

ربما تبدو الإجابة بالنفي سريعة وبديهية، لأن الأطروحات الجديدة لا تناسب النص الكلاسيكي، وإذا أضفنا إلى ذلك أن هذه الأطروحات هي منتج للثقافة الغربية، فإننا سوف نواجه تعقيداً آخر يتعلق بأن تلك الأطروحات تتناسب مع النصوص الغربية، ولا تلائم النصوص العربية.

وإذا أردنا أن نغامر بقراءة نص العينية فلا بد أن نجد المبررات الكافية التي تجعل هذه المغامرة مشروعة. وربما أتصور أن أول هذه المبررات يتعلق بالأطروحات النظرية الجديدة ومدى فاعليتها، فتلك الأطروحات تمتلك قوة إيعاذية في المؤسسة النقدية لإعادة توجيه الدرس الأدبي؛ هذه القوة الإيعاذية هي المسئولة، فيما أتصور، عن تدفق وفاعلية النشاط النقدي من حيث إنه نشاط يتخلى عن التكرار والتقليد طامحاً إلى المختلف والمغاير، ومندفعاً إلى المغامرة في اكتشاف المجهول والإمساك، في الوقت نفسه، بتلابيب الابتكار غير المسبوق.

وثاني هذه المبررات يتعلق بأن تلك الأطروحات تنتمي إلى ثقافة مغايرة للثقافة التي ننتمي إليها. هذا التقسيم للثقافة الإنسانية، الذي يحدد ثقافة الأنا في مقابل ثقافة الآخر، هو تقسيم مغلوط فيما أظن، لسبب بسيط وهو أنه يخضع أو ينتج من طبيعة استعمارية وليس من طبيعة إنسانية في المقام الأول.

إنني أقصد بالطبيعة الاستعمارية: هذا العداء الذي ولدته النزعة الاستعمارية في نفوسنا، وأقصد بالطبيعة الإنسانية: أن المنتج المعرفي ليس ملكاً لمن صنعوه فقط، وإنما هو ملك للإنسانية جميعاً على اختلافها العرقي والديني والثقافي.

أما ثالث هذه المبررات وآخرها، فهو يتعلق بمدى قابلية النص العربي الكلاسيكي لتطبيق الأطروحات الجديدة. فإذا نظرنا إلى عينية أبي ذؤيب الهذلي بوصفها عملاً، طبقاً لما يطرحه رولان بارت، أي بوصفها كياناً محسوساً يمكن أن تلمسه أو تراه، مثل كتاب يشغل موقعاً على رفوف المكتبة، ويظهر في مكتبة لبيع الكتب، أي منجزاً مادياً ثابتاً تم إنتاجه، فإننا لن نتمكن من تطبيق الأطروحات الجديدة عليها. أما إذا نظرنا إليها بوصفها نصاً، أي بوصفها "مجالاً منهجياً"، يعيد إنتاج ما تم إنتاجه طبقاً لأطروحات جديدة، فإننا نتمكن من عملية المغامرة والتجريب، وتصبح العينية نصاً "يتم تجريبه من خلال نشاط ما، وإنتاج ما، ويستتبع ذلك أن النص لا يمكن أن يتوقف (على رف المكتبة مثلاً)، فلحظته التشييدية ارتحالية".

وإذا كانت لحظة تشييد النص هي لحظة ارتحالية، أي لحظة تجتاز مفهوم العمل، فإن النص يندفع ناحية اللعب الحر والإنتاج، أي أنه يتجه صوب لعبة الدال ومراحه العفوي الذي يتأبى على الثبات؛ أو بعبارة أخرى: "إن النص يأخذ شكله ومعناه من شبكة العلامات العائمة والمتنوعة". لكن ماذا تعني لعبة الدال؟

إن العلامة اللغوية في تصورات سوسور يتم النظر إليها على أنها مكونة من دال ومدلول؛ ومن ثم فالعلامة اللغوية كيان ذو وجهين (الدال والمدلول) متحدين بطريقة وثيقة. ويستدعي وجود أحدهما وجود الآخر بالضرورة، والعلاقة بينهما مؤسسة على العرف والمواضعة، وليست على التشابه الطبيعي؛ أي أن الدال يقبض على مدلوله أو يستدعي مدلولاً محدداً ثابتاً.

وإذا كان سوسور يعتقد أن اللغة هي نظام أو نسق من الاختلافات، فإن أية علامة لغوية تكمن خصوصيتها الدقيقة في أن تكون ما لا تكونه علامات أخرى داخل النظام، أو كما يقول سوسور: "في اللغة لا يوجد سوى الاختلافات فقط(".

وإذا كانت العلامة تكتسب كيانها وخصوصيتها الدقيقة من خلال اختلافها مع علامات أخرى، أي أنها تكون ما لا تكونه علامات أخرى، فإن كل علامة أيضاً، كما يرى تيري ايجلتون: "قد تبدو أنها مشكلة من نسيج لا نهائي من الاختلافات افتراضاً"؛ وهذا يضع تصور سوسور للعلامة في مأزق يكمن في "تلك الوحدة المتماثلة الدقيقة بين دال واحد ومدلول واحد".

إن معنى العلامة مؤسس على الاختلاف، وهو نتاج لتفاعل معقد بين الدوال (العلامات)، وفي جميع الأحوال لا يمكن الادعاء بأننا نقبض على المعنى أو المدلول، فالمعنى أو المدلول يظل مفقوداً في السلسلة اللانهائية للدوال، وليس "مفهوماً مربوطاً بقوة إلى ذيل دال معين"؛ ويكتب ايجلتون شارحاً لعبة الدال في اللغة:

"إن المعنى ليس حاضراً بطريقة مباشرة في علامة ما، لأن معنى أية علامة هو مسألة مالا تكونه العلامة، فمعناها، إلى حد ما، يكون دائماً غائباً عنها أيضاً، إن المعنى، إذا شئت، مبعثر أو مشتت على امتداد سلسلة الدوال جميعاً: فلا يمكن أن يتم تثبيته بسهولة، وليس حاضراً تماماً أبداً في أي علامة مفردة، ولكن بالأحرى نوع من الخفق الدائم المستمر للحضور والغياب معاً".

في مقاله من العمل إلى النص، يؤكد بارت على قدرة النص على اجتياز الحدود التي تجعله مرتبطاً بلعبة الدال أو مراح الدال العفوي الذي لا يحيل على مدلول مسيج، وإنما يحيل على سلسلة من الدوال اللامتناهية. إن العمل، في تصورات بارت، ينغلق على مدلول محدد، أي أنه يوظف بوصفه علامة عامة تقبض على مدلول معين، ويكون طبيعياً في هذا النطاق أنه يمثل مقولة مؤسسية لحضارة العلامة، وحضارة العلامة هي حضارة التسليع والاستهلاك؛ إن النص، على النقيض من ذلك، يمارس تأجيلاً لانهائياً للمدلول، فالنص يكون معوقاً (معطلاً) للمدلول، ومجاله هو ذلك الدال، والدال لا يجب أن يتم تصوره بوصفه: "القسم الأول من المعنى"، أي رواقه المادي، ولكن بالأحرى: "آثاره".

إن النص يشير إلى لانهائية الدال واللعب الحر أو "التوالد المستمر للدال"، ولذلك يدمر النص المركز، إنه يتم تشيده أو بنينته ولكن بلا مركز، وبلا انغلاق، أو بعبارة أخرى: إن النص يشبه اللغة: "نسق بلا نهاية أو مركز".

إن "بارت يشتغل تماماً في نطاق لعبة الدال، وهذه اللعبة هي صناعة جاك دريدا، وبارت، يسهم في إتمام هذه اللعبة متابعاً دريدا في: "الإقرار أو التسليم بأن اللغة بطريقة جوهرية هي معوق أو معطل، أي لعبة للاختلافات والإرجاء والاستبدالات للمعنى داخل الأنظمة السميوطيقية واللغوية"؛ ولذلك يؤكد في نهاية مقاله على أن:

"نظرية النص يمكن أن تقترن فقط بممارسة ما للكتابة".

وممارسة الكتابة هي التدمير لكل صوت وكل نقطة بداية أو أصل، إنها تحيل على فكرة الدال العائم الشارد الذي يظل في حالة مستمرة من البحث عن المدلول ولن يجده، وإن وجده يتحول إلى دال آخر وسلسلة أخرى من الدوال.

في لعبة الدال لا يمكن للمرء أن يجزم بمدلول مفرد متعالي ثابت. وإذا طرحنا الدال الاختلاف – الإرجاء، على سبيل المثال، الذي نحته دريدا نفسه لوصف فاعلية الكتابة، فإننا سوف نلاحظ كما لاحظ نوريس من قبل بأنه يعاني اضطراباً على مستوى الدال، لأنه: "يظل معلقاً بين فعلين في اللغة الفرنسية أن يختلف وأن يرجئ".

إن لعبة الدال تقودنا حتماً إلى هذه الملاحظة، إنه ليس ثمة معنى ثابت محدد لـ "الاختلاف – الإرجاء"، إن المعنى تم تعليقه وإرجاؤه إلى الأبد، ولا يستطيع أي منا أن يجزم بأن دريدا عندما يوظف هذا الدال أو يستخدمه في كتاباته إن كان يقصد به الاختلاف أو الإرجاء أو كلاهما معاً، إن (الاختلاف – الإرجاء) ليس "مفهوماً ثابتاً، ولا يمكن أن يوظف بوصفه مدلولاً ثابتاً، ومن ثم فإنه يمزق ويفكك التراتبية (الهيراركية) المؤسسة تقليدياً بين المدلول والدال، الكلام الكتابة، العمل والنص".

وعندما يطلق دريدا عبارته الأثيرة: "ليس ثمة شيء خارج النص"، فإن ذلك يعني كما يطرح سلين: "ليس ثمة شيء خارج النصية". والنصية في هذا السياق لا تشير إلى انغلاق النص وتعقيداته الشكلية والدلالية وإنما تشير إلى فكرة الدوال العائمة أو الشاردة، ويشرح ليتش النصية بقوله:

"إن الدال (الكلمة) يكون منقطعاً عن المدلول (المفهوم) والمرجع (الشيء)، واللغة تهيم شاردة أو تتبدد فيما يتعلق بالحقيقة أو الواقع، ويصبح وضعاً صعباً للغاية بالتبدد الإضافي الذي يتم إدخاله إلى اللغة عن طريق اللغة المجازية، مثل الاستعارات والكنايات، هذه البلاغية (كما يطلق عليها) تضيف طبقات من الاستبدالات والإضافات (اختلافات أكثر) للدوال العائمة أو الشاردة".

إن اللغة ليست قادرة على الإمساك بالحقيقة، فالحقيقة دائماً مرجئة أو مؤجلة، وما يمكن أن تقوم به اللغة هو التوسط بيننا وبين الحقيقة، أي أنها لا تقدم إلينا اتصالاً مباشراً بالحقيقة مطلقاً، إن اللغة، طبقاً لمنظور دريدا تظل في حدود الوسيط، لكنها "ليست وسيطاً شفافاً، شباكاً ينفتح على العالم، إنها، على النقيض من ذلك، تتوسط بيننا وبين العالم، ولكن مثل شاشة ملطخة أو عدسة مهشمة".

وعندما يعلن "دريدا" أنه ليس ثمة شيء خارج النص، فإنه يعلن أنه ليس ثمة شيء خارج الوسيط، وخارج النصية، وخارج الدوال العائمة الشاردة؛ ولذلك يعتقد أن النص لم يعد ذلك الكيان المحدد المسيج المنغلق على نفسه، وإنما أصبح نصاً منفتحاً، شبكة من الآثار والاختلافات، أو بعبارات "دريدا":

"إن أي نص لم يعد ... كياناً منجزاً للكتابة، لم يعد مجرد محتوى مسيج في كتاب أو هوامشه ولكن شبكة خلافية، نسيج من الآثار، تشير بطريقة لانهائية إلى شيء ما غير نفسها، أي إلى آثار خلافية أخرى، وهكذا فإن النص يتخطى أو يجتاح كل الحدود المخصصة له".

إنني سوف أغامر بقراءة عينية أبي ذؤيب الهذلي من خلال لعبة الدال، والدال في هذا المقام هو الدهر الذي يحيل على دوال متنوعة. إن دال الدهر يمتلك انتشارية في النص، لكن لا يمكن أن أزعم بأنها قراءة تقبض على مدلول ثابت محدد، إنها تمارس حالة من اللعب.

والقارئ في تلك الحالة، كما يطرح بارت، يلعب على جانبين: إنه يعلب في النص، أي أنه يبحث عن ممارسة تعيد إنتاجه؛ ويلعب النص، أي أنه يؤديه مثلما يؤدي عازف الموسيقى لحناً يختلف مع كل مرة يلعبه أو يؤديه.

أستاذ النقد الأدبي المشارك ـ كلية دار العلوم – جامعة المنيا