داعش يشبه دور المافيات... لتقسيم العراق

عسكرياً يُعد موقف المالكي والجيش العراقي خيانة

من حسن حظي لم تحصل ليّ تجربة مريرة مع مخابرات العراق، لتترك عندي عقدة الخوف التي تكلمت عليها، ربما لأني غادرت العراق مبكرا، وقبل ان يعتلي صدام حسين سدة الحكم، ولم أتهيب من مخاطر العمل، حيث التحقت بالعمل مع الجيش الأمريكي في أول وجبة دخلت العراق بعد 9-4-2003، وحصلت على لقب جاسوس أمريكي، أسوة بزملائي الأخرين في مجلس اعادة اعمار وتأهيل العراق. اقول ذلك للتوضيح فقط، ولأن لعدم الكلام والسكوت أسباب أخرى.

هناك أسباب كثيرة للتردد في الكلام بما يدور من أحداث، سببها ليس عقدة الخوف او لقبول معظم المسلمين بأعمال داعش، فداعش كما هو واضح يساهم في شق المسلمين، على الأقل لشقين متحاربين، متقاتلين، ونحن نعرف أنه أداة تقسيم وترسيم حدود جديدة للمنطقة. إن الذي يجعلني اتردد في الولوج في هذا الموضوع، هو كونه معقد، ما زال يحمل الغازا كثيرة، ومجاهيل غير معلومة، وسيشوب الكلام فيه كثير من السطحية، وعدم الدقة. على الرغم كل ذلك سألخص اليك ما بحوزتي من أخبار ومعلومات داعشية، ناتجة عن متابعة مباشرة. ومعذرة عن الأطالة.

أرى وكما يشاركني كثير من الأصدقاء، أن داعش هو صناعة مخابراتية غربية، أمريكية- إسرائيلية، أدواتها ودُماها من المسلمين السلفيين، مؤمنين بالجنة والحوريات وغيرها من خزعبلات وترهات الغيبيات، معظمهم من خريجي سجون السعودية واليمن وليبيا ومصر والعراق وسوريا، وغيرها من الدول الإسلامية، أضف عليهم عدد الناقمين على النظامين السوري والعراقي، فهم بعد الظلم والحيف الذي طالهم، وجدوا في داعش ضالتهم وفرصتم للأطاحة ببشار الأسد في سوريا والمالكي في العراق.

كما يعرف الجميع، إن صراعات الساحة السورية- العراقية معقدة جدا، تشترك فيه أطراف دوليلة عديدة، كتركيا، قطر، السعودية، إسرائيل، أمريكا وبريطانيا، وجبهة نصرتهم وتنظيم داعشهم وغيرهم من المقاتلين. ومن الجانب الأخر هناك التخندق الروسي مع النظام السوري والعراقي والأيراني وحزب الله اللبناني ومليشياتهم. هذا أقل ما نعرفه اليوم. أضف الى ذلك دخول معقد التقارب الأمريكي – الأيراني العلني الذي حصل قبل شهرين وما يعنينه ذلك من صفقات وخطط غير معلنة. لا يمكن عزل كل ذلك عن داعش ودوره في المنطقة.

في تصوري أن دور داعش يشبه الى حد كبير دور المافيات(عصابات الأجرام المنظمة) التي سادت في القرن الماضي، بدأت في أيطاليا وانتشرت كالسرطان في جميع أنحاء العالم، حيث أستفادت من وجودها المخابرات الغربية، كذلك رعتها ونمتها، لمحاربة المد الشيوعي، وبأ نتهاء الخوف من المد الشيوع، لم تعد للمافيات أهمية واضحة تذكر.

أداة لمشروع التقسيم

هل أن دور داعش سيضمحل بعد تقسيم المنطقة وشق المسلمين؟ لا أحد يعرف ماذا سيحصل. وكما أكد لي الدكتور ريمون في نقاشاتنا الخاصة حول الموضوع، وأنا أتفق معه ان العمليات الدائرة جميعها تقع في مجال دراسة النظم الديناميكية المعقدة في موضوع الرياضيات، والتي تبرهن على ان نتائج المداخلات المعقدة لا يمكن توقعها بأي شكل من الأشكاال. والموضوع العلمي المذكور عموما من المواضيع الدسمة التي لها تطبيقات في كل ركن من اركان حياتنا وعلاقاتنا اليومية.

لنبتعد من الرياضيات الذي ربما يشوش الموضوع رغم انه يوضحه كالبلور الصافي، لنعود الى داعش ونقول أنه أحتل كثير من مواقعه الحالية في سوريا والعراق من دون قتال يذكر وتسلح بالأسلحة السورية والعراقية مجانا، بمليارات الدولارات، من دون صرف دولار واحد. هناك أسئلة كثيرة، تطرح نفسها، منها:

ما دور النظام السوري والعراقي في تسهيل فتح أبواب سجونها والسماح للموقوفين والمسجونين الأرهابيين ان يهربوا بسهولة ليلتحقوا بداعش؟

ما دور النظام السوري والعراقي والكرد في ترتيب سحب قواتهم من المناطق التي تقدم داعش لأحتلالها فيما بعد كالرقة في سوريا والموصل في العراق؟

لماذا لم يحرق القادة العسكريين اسلحتهم أو يعطلوا طائراتهم قبل إنسحابهم المرتب من الموصل او الرقة، هذا اذا افترضنا ان داعش قوة جبارة ومخيفة؟

داعش يستعرض قواته وأسلحته من مدرعات ودبابات وصواريخ في الرقة والموصل علانية، ولا يتمكن أي من طائرات النظام السوري او العراقي او القوة الجوية الأمريكية من تدميرها.

تركت البشمركة الكردية كثير من أماكن وجودها، لداعش، ليحتلها بيسر من دون قتال. وهذا يشمل مناطق متنازع عليها: من محافظة الموصل، أقضية الشيخان والحمدانية وتل كيف وقضاء عقرة وسنجار وناحية زمار من قضاء تلعفر وناحية القحطانية وقضاء مخمور ومحافظة كركوك وقضاء طوز خورماتو وأمرلي ومن محافظة ديالى، قضاء خانقين وناحية مندلي ومن محافظة واسط قضاء بدره. والمتتبع للأحداث يعرف ان كثير من هذه المناطق هي مسيحية ويزيدية وتركمانية، وانها عانت الكثير من القتل والتهديد والخطف وأستخدام أنواع المتفجرات خلال السنوات التي تلت عام 2003. بالطبع أحتلت البشمركة الكردية كركوك برمتها على أثر أحتلال داعش للموصل، وأعلن مسعود البرازاني ان لا مفاوضات بعد اليوم حول عائدية كركوك، فكركوك غدت كردية، بفضل داعش.

إن أحتلال داعش لهذه المناطق سبب تهجير وتشريد جميع سكان هذه المناطق، الى أقليم كردستان ، أو الى مناطق أخرى آمنة خارج أو داخل العراق. داعش حققت أخلاء وأرهاق كامل لسكان هذه المناطق من مسيحيين ويزيديين وتركمان.

ماحدث في دبالى

حدث الشئ نفسه في ديالى، أحتل داعش مناطق متنازع عليها بين الحكومة المركزية وكردستان، أحتلها من دون قتال، مناطق كالسعدية وجلولاء والمقدادية والمنصورية وما يتبعها من قرى ونواحي، بعض هذه المناطق متنازع عليها بين السنة والشيعة(الحكومة). من سوء الصدف او حسنها، أن أهلي وأقربائي من محافظة ديالى ومن ناحية المنصورية (من الطائفة السنية) عدد سكانها 40 ألف، من المناطق التي ما زالت محتلة ليومنا هذا من قبل داعش، فاتصالي المستمر هاتفيا مع أهلي وأقربائي، جعلني ان أحصل على أخبار صادقة من ارض الحدث، وقد دونتها بالتفاصيل، اذكر خلاصتها لكم.

في صباح يوم 6-26- 2014، وفي الساعة الواحدة صباحا، انسحب ضباط الجيش العراقي من مواقعهم العسكرية المتمركزة خارج المدينة، وبعد ساعة من أنسحابهم، أي في الساعة الثانية صباحا دخلت قوات داعش( 50-80) مسلحا، لتحتل المدينة وتفتحها من دون اي قتال، قــُتِـل شرطي واحد فقط بالخطأ. ولكن مع إشراقة شمس الصباح بدأت حمم قنابل الطائرات والمدافع الحكومية تصب على المنصورية لعدة ساعات، وتوقفت بعد الظهر، تاركة ضحاياها من الخسائر بقتل العشرات وجرح المئات من الناس الأمنين. كان القصف المتكرر كفيل بترحيل 40 ألف شخص من ناحية المنصورية وقراها. داعش حققت ترحيل جميع سكان المنطقة في غضون ثلاثة أيام ما لم يتمكن الأرهاب المستمر هناك من تحقيق جزء قليل من ذلك خلال عشر سنوات، منذ 2003.

رحل الناس الآمنين، من أطفال وشيوخ ومرضى ومعوقين الى مناطق مختلفة من العراق، منهم أكثر من مئة شخص من أهلي المقربين جدا، كخالي وأولاده، وأحفاده، أولاد عماتي وعوائلهم وأولاد أخواتي وعوائلهم. خرجوا (بطرك) ملابسهم. ولحد اليوم هناك بعض من أقربائي لا أعرف اين هم بالضبط.

إن البشمركة الكردية ستعود بالطبع، لتحتل جميع المناطق المتنازع عليها، والتي احتلتها داعش، وهي اليوم خالية من سكانها الأصليين. ستزيح البشمركة الدواعش بسهولة، مثلما أعطوها لهم بسهولة. بعد التحرير سيعود من يعود الى هذه المدن من أهلها شاكرين البشمركة وحامدين الله على سلامتهم، وفاقدين الثقة بمساعدة الحكومة المركزية. داعش أداة تقسيم وترتيب حدود جديدة.

انسحاب وعودة والضحايا الناس

تمثيلية آمرلي

أمرلي ناحية تركمانية صغيرة جدا، سكانها من الشيعة، صورها الأعلام كأنها برلين من الكبر والأهمية، بالمناسبة بعض أقربائي من هناك أيضاً، ذكروا ليّ، ان الدواعش نزلوا اليها، كانهم نزلوا من السماء، بقدرة قادر، فقوات البشمركة كانت متمركزة في داخل الناحية وتفرض سيطرتها في أطرافها منذ 2003 ولا زالت منتشرة في أطرافها، لكن قوات البشمركة أنسحبت من داخل الناحية بشكل مفاجئ، لتحتلها داعش بسهولة من دون قتال، كما حدث في مناطق أخرى للمسيحين واليزيدين، ومن بعد ذلك نصب الدواعش قناصين في أطراف الناحية، وهكذا تحاصرت الناحية من قبل الدواعش، وأسترعى ذلك انتباه هيئة الأمم المتحدة، فأصدرت بيانا تحذر فيه من أحتمالية وقوع كارثة إنسانية في آمرلي، وأخيرا كانت الحاجة لتدخل القوة الجوية الأمريكية، لقصف مواقع قناصين داعش.

وبمساعدة الجيش العراقي وأسناد المليشيات الأيرانية، تحررت آمرلي، والحمد لله، وعمت الفرحة بين الناس، رقصوا وهلهلوا في أزقة الناحية، طشوا الجكليت والملبس، الكل شاهد الفرحة في الأعلام، بعد تحريرها من الدواعش. المتابع يعرف ان ناحية آمرلي شهدت أعنف أنفجارات من نوعها في العراق في السنوات التي تلت 2003، ومورس ضدها أشد انواع الأرهاب من خطف و قتل وترحيل. آمرلي كانت على خلاف شديد مع الأكراد في تابعيتها لأقليم كردستان. داعش ربما حقق غرض أخظاع آمرلي لأرادة معينة في التقسيم.

مناطق مهمة لإيران

ناحية المنصورية، اليوم خالية تقريبا من سكانها، ما زالت غير محررة، والمرشح لتحريرها، كما اسمع، قوات من وحدات الجيش العراقي بمساندة المليشيات الشيعية، فالمنطقة عسكريا مهمة لأيران، لآنها تشرف على أقصر طريق يربط بغداد بالحدود الأيرانية، اضافة الى انه يتواجد فيها موقعين مهمين للغاز الطبيعي. بعد التحرير سيعود من سيعود من الأهالي شاكرين قوات الجيش لآنهم حرروا مدينتهم من الدواعش، كما حدث في آمرلي.

في المناطق المسيحية تكرر الشئ نفسه، أنسحبت البشمركة الكردية ليحتلها داعش بيسر، لدينا قصص وروايات كثيرة. فحقق داعش بأيام قليلة ما لم يحققه الأرهاب بحق الشعب المسيحي في أكثر من عشر سنوات، منذ 2003

في المناطق الأزيدية تكرر الشيء نفسه، انسحبت البشمركة الكردية بشكل مرتب من بعض المدن المتنازع عليها، كسنجار وناحية زمار وغيرها من المناطق، وأحتل داعش تلك المناطق بسلام، وأما المسائل الأجرامية والدونية من قتل وتنكيل باليزيديين وبيع انسائهم، كما نسمع ونتابع الأخبار، فهي تخدم أغراض أعلامية وحققت مصالح شركات السلاح، حيث أتخذ على أثر حصار جبل سنجار، وفتح حصارها، والتطبيل الذي حدث، قرار بيع صفقات سلاح ببلايين الدولارات من قبل أمريكا الى الكرد من دون الرجوع للحكومة المركزية، في اشارة الى شبه أستقلال كردستان، وحدث نفس القرارات في كل من بريطانيا وفرنسا وأستراليا وأسرائيل. أفلام وتمثيليات، وكأن داعش أحتلت فقط جبا سنجار.

لو كان داعشن فعلا ً يبغي قيام خلافة دولة اسلامية حقيقية، كان عليه ان يتريث بعض الشيء، قدوة بمحمد رسول الإسلام، دخل في حلف مع المشركين لأنه كان ضعيفا ً، ولكن داعش، كما نسمع بالأخبار، يذبح صحفي أمريكي وآخر بريطاني، والدولة لا زالت غير معترف فيها من قبل أي دولة من دول العالم او هيئة الأمم المتحدة. ربما ذلك أخراج مسرحي غير متقن.

أما الغرض من تحرير سد الموصل من الدواعش، بأستخدام سلاح الجو الأمريكي وقوات البشمركة، فهو إشارة الى ان السد سيكون تحت رعاية كردستانية.- أسرائيلية لآحقاً، ورقة ضغط مهمة في تقسيم العراق.

التشظي إلى مناطق نفوذ

في الاستنتاج أكرر ان داعش أداة لتقسيم العراق وسوريا، الى مناطق نفوذ شيعية وسنية وكردية، وأداة شق المسلمين الى قسمين أو أكثر، وداعش تحل اليوم محل القاعدة، ومن الممكن ظهورها في اي مكان من العالم ، كما ظهرت في الأردن وربما ستظهر في مصر وليبيا، وقد تظهر في دول غير إسلامية اذا اقتضى الأمر وتطلبت مصالح عليا. وأخيرا ً اسأل ، لماذا لا يظهر داعش في فلسطين، أو ينادي بتحرير القدس وهي ثاني الحرمين عند المسلمين؟ وعلينا ان نترقب المزيد من أفلام هندية وهولوودية داعشية ونحيل حل طلاسمها الى بعض العباقرة.

ثائر البياتي