داعش.. وتحديات التاريخ

أحداث التاريخ تعيش حالة مفتوحة

يعيش العالم الراهن حالة مفتوحة من ضرورات التأكيد على العودة إلى قضايا وإشكالات تاريخية منصرمة، راحت تبدو كأنها دخلت حيز النسيان، ولاشك أن هذا أمر محتمل، ذلك لأنه إذا أُتيح لحدث أو آخر أن يسير إلى الأمام ويستقر هنا أو هناك، فإنه مع ذلك، بل ورغماً عنه، سيبقى قابلاً للمثول أمام البشر بهدف المراجعة والنقد وغيره. أما العنصر المنهجي الذي يؤسس لمثل هذه الحال في التاريخ المحلي والعالمي، فهو كون أحداث التاريخ تعيش حالة مفتوحة ليس إلى الأمام فحسب، بل بكل الاتجاهات والميول ومنها عودة الماضي الذي تنطلق أو انطلقت منه. ويبرز هذا الاستحقاق خصوصاً حين تنشأ أوضاع وحالات تشير إلى عناصر من الزمن أو الأزمنة المنصرمة التي تبدو كأنها تلبّست شخصيات وأدواراً يتوقف الإنسان المعاصر أمامها، بحيث يتعين عليه أن يأخذ منها موقفاً أو آخر، ذا طابع محفز أو مثبط وفق واقع الحال المعيش في مرحلتنا نحن أبناء القرن الحادي والعشرين. فكأن تلك الشخصيات والأدوار أخذت تُناط بها وظائف أخرى جديدة!

ذلك ما نعيشه نحن الآن أبناء العالم الراهن وتخصيصاً في الشق «الشرقي منه»، ففي هذا السياق تنهال الأحداث العظمى على رؤوس البشر في بقاع العالم، دون أن يعرف فريق منهم مصدرها أو وظائفها الآن ولاحقاً، إضافة إلى المخاوف السود التي ترافقها. وهذا بدوره يعيد إلى الذاكرة ما كتبه ماركس يوماً من «أن التاريخ لا يعيد نفسه، وإذا أعاد نفسه فهو يفعل ذلك بصيغة مهزلة»، ولعلنا نتبع ذلك بالقول إن الصيغة الجديدة له إنما هي ذات بُعد «درامي» مقابل الهزلي.

وفي هذا السياق تماماً سنستعرض ذلك «الدرامي» الذي يتشخص في صيغ كثيرة، منها صيغة «الاستشراق». لكن في المقالة القادمة سننعطف تجاه حدث آخر سبق الاستشراق إرهاصاً وأتى بعده في الزمن الراهن، ونعني «العولمة والنظام العولمي». وكي نحدد أولياً ما يربط بين الصيغتين المذكورتين، الاستشراق والعولمة، نُمعن في التخصيص، إذ نضع يدنا على تحدي «داعش» بمثابته -هكذا ظهر حتى الآن- وليد النظام الغربي الرأسمالي الاستعماري، الذي أخذ في النشوء مع تعاظم النهضة الأوروبية الحديثة، باتجاه امتداداتها التي نمثل نحن شاهدين عليها.

لقد برزت تلك الأخيرة مع التقدم الذي لا يلوي على شيء لحضور ذلك النظام الغربي الرأسمالي الاستعماري وانتشاره الكثيف باتجاه ما برز بمثابته خزاناً ضخماً، لكن غامضاً في المستعمرات الجديدة ضمن أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا وغيرها، تلك التي كانت تشكل لغزاً وكذلك استفزازاً لأوروبا المتصاعدة بقوة متلاحقة كبيرة. وكان السؤال الذي راح يدغدغ عقول الأوروبيين وغرائزهم، قد تمثل في تساؤل متعاظم عما تمثله تلك المستعمرات، بما تملكه من موارد في حينه ولآماد أخرى قادمة، أمام الجواب الذي راح يحفر مشاريع الأوروبيين المحتملة القادمة، وقد أثار ذلك الفضول المعرفي والشعور بامتلاك ما قد يغدو يوماً ما ثروة للصاعدين الجدد.

بهذا راحت حوافز التأسيس لمعرفة ذلك أولاً، ولما يجعل هذا أمراً محتملاً في إطار الحاجات القادمة، علماً بأن الكثير من الأساطير والأوهام والرغبات راحت تسعى لتأسيس كتاتيب ومدارس تُناط بها مهمات لها بداية، وقد لا تكون لها نهاية. وعلى هذه الطريق الوعرة أحياناً، والغامضة أحياناً أخرى، والملهبة لرغبات التملك والثراء واقتحام العالم في فضول آخذ في التسلح أحياناً ثالثة، لم تعد المعرفة إلى الثراء فحسب، وإنما كذلك «مراكز استراتيجية» لضبط ذلك كله. أما هذا فقد راح يفتح مغاليق أبواب «الآخر»، يداً بيد مع تعاظم الإنتاج الاقتصادي والمعرفي والسياسي.. إلخ، والمدجج برغبة حثيثة تفصح عن نفسها في تحويل ذلك «الآخر» إلى طرف مكمل لـ«الأنا»، إنما بصيغة تحويل ذلك الأمل إلى «ملحق لهذه الأنا» وبذلك انطلقت قاطرة التقدم باتجاه العوالم، يداً بيد مع تحويل ذلك الآخر من الشعوب الجديدة المستعمرة، إلى قطعان من الأرقاء يجري «تثقيفها» بتعليمها «كيف تكون طيعة وفعالة».

بهذا تأسست منظومة المفارقات الجديدة التي ستنتج «الجد الأعلى» لـ«داعش»، أما ما كان حلماً في أن يبقي الإنسان المنتج إنساناً، فقد تصدع تحت قبضة الاغتراب، اغتراب ذلك الإنسان حيال إنتاجه، وامتلاك مَن لا ينتج ما يملكه المنتج، بمساعدة من بيده السلطة والثروة والإعلام وغيرها، وذلك مثل مقدمة المقدمات التي سنواجهها لاحقاً في «الاستشراق الغربي» كما في «النظام العولمي» الذي عرفه أحدهم «بأنه السوق المطلقة» كلاً وجزءاً وعلى وجه العموم.

طيب تيزيني

كاتب وأكاديمي سوري