داعش وإخوانها الطَّائفيون... ونحنُ أهل بغداد

الأسوأ: الحكومة توزع السلاح على الشيعة حصراً

نحنُ أهلُ بغداد، وبالذات أولئك الذين كانت السلطة "القديمة" لا تتعامل معهم كـ "سّنّة" قبل العام 2003، لأنّهُم لم يكونوا "بعثيين" في حينه. وبعد العام 2003 اكتشفنا أن عدم كوننا بعثيين قبل العام 2003 لن يشفع لنا لدى السلطة "الجديدة" لأنّنا لسنا "شيعةً". الآن تصورّوا كيف يمكنُ أن يكون عليه الحال، عندما لا تكون بعثياً قبل العام 2003، وانْ لا تكون شيعيّاً بعده، وكيف ينبغي عليك ان تدفع الثمن مُضاعَفاً في "العهدين" المُباركين!

لذا نحنُ الذين لايمكن تصنيفنا كـ "أصدقاء" و"شركاء" في وطنٍ واحدٍ وفق معايير "السلطة الجديدة" لم يعُد أمامنا غير أن نحبسُ أنفسنا في بيوتنا، ويأكلنا الخوف، وننتظر. واسوأ ما في الأمر، هو عندما يتم حفر الخنادق المذهبيّة بحماسٍ منقطع النظير، ويكون التحشيد الطائفيّ، هو معيار الفرز الوحيد بين الصديق والعدو. والمؤمن والكافر، والروافض والنواصب، ومعاوية وعليّ ويزيد والحسين، وأخيراً "الداعشيّون"، وآل البيت.

فاذا كنت سنيّا بـ"الصدفة"، فانت، على الأقل، داعشيّ بـ "الضرورة". وداعش تهدّد باحتلال بغداد، وكربلاء والنجف، وذبح "الصفويين". ورجال الدين، والسياسيين (من الطائفتين) ، حوّلوك إلى "عدو"، يجلسُ في وسط ساحة المعركة الموتورة هذه، وهو لا يعرف حتّى السبب وراء اطلاق الرصاص بكلّ هذه الكثافة بين الطرفين المتحاربين. فاذا كنت شيعيا، فان داعش ستأتي الى بغداد، وتذبحك.

لذا فان على الحكومة ان تقوم بتسليحك لتدافع عن نفسك، وعرضك، ومقدّساتك. واذا كنت سنيّا، فان الحكومة لن تقوم بتسليحك، لأن داعش لا تهدّد بذبحك، وهي عندما ستدخل الى بغداد، فانّ من المؤكّد انها ستقوم "هي" بتسليحك؟؟ طبعا لا أحد يسأل لماذا لا تذهب داعش الى ايران وتذبح الصفويين هناك، وليس في العراق! ولا أحد يسأل ماذا يفعل أمثالي وابناؤهم من المسالمين العزّل، الذين لا يشترون المذاهب كلها، بفلسين.

الأسوأ هو ان الحكومة تقوم بتوزيع السلاح على المواطنين "الشيعة" حصراً، وتترك الكثير من سنّة بغداد، وغيرها من المدن المختلطة الكبرى، المليئةِ بـ "المدينيين - العلمانيين" من امثالي، مع مئات الآلآف من الناس البسطاء، ليأكلهم الخوف من المليشيات الشيعية المسلحة، ومن المليشيات السنيّة المسلحة، على حد سواء. شباب صغار، وأحياناً أطفال، ولكنهم "شيعة" مسلحون، يتم شحنهم بهذا الشكل، ثم يتم نشرهم مع القوات الحكومية في كل ساحةٍ وحيٍّ وشارعٍ في بغداد، وسيصادفون حتماً شبابا من "السنّة" في السيارات والشوارع والساحات والأحياء. ربما كان هؤلاء الشباب معاً قبل ايام قليلة، يدرسونَ في كليّة واحدة ومدرسة واحدةٍ وصفٍّ واحدٍ، ويلعبون البليارد في قاعة واحدة، ويدخنّون النركَيلة في ذات المقهى، ويلتهمون السندويتشات في مطعم واحد.

ولكن، ومع كلّ هذه الأناشيد والرايات والصور والبنادق والغضب وانعدام الثقة، ما عليك سوى أن تتصور ما يمكن ان يحدث في مثل هذه اللحظات التي يغيب فيها العقل. وما يمكن ان يرافقها من احتكاكات، سوف تؤدي في بداياتها الى عمليات اختطاف، وقتل على الهوية، ومداهمات، ثم تنتهي سريعا إلى حرب الكلّ على الكلّ. من يحمي هؤلاء من انفسهم، ومن يحمي الآخرين منهم؟؟ سأبقى في بيتي، كأيّ "لا مُنْتَمٍ" بائسٍ، وحيد.

مُنتظرا "المجهول" الذي تحملهُ "داعش"، ومَنْ يصطفُّ معها، و"المعلوم" الذي تُقَدّمُهُ لي سلطةٌ تفتقرُ الى الحكمة، وحسن التدبير. وحالي حالُ الكثيرين من أمثالي، فانَ ما يشغلُ بالنا الآن هو شيء واحد. كما أنّ ليس لدينا في ذمة الله، ومن يدّعونُ تمثيلهُ،غيرُ رجاءٍ واحد، وهو ان لا يُقتَلَ ابناؤنا قبلنا، وان لا تُنتهك حرمة بيوتنا، واعراضنا، وما تبقّى لنا من كرامةٍ بشريّة.

سلاما للعراق والعراقيين، إذا قرّروا ان يبقوا معا. واذا قرّروا ان يحتوينا العراقُ معهم. واذا قرّروا ان يتوزعوا على "الشتات"، ونتوزعُ معهم. سلاما لهم، رغم انّهُم يحبّون اخطاءهم، وخطاياهم، ويتلذّذون بتكرارها حيناً بعد حين. سلاما للأهل الذين لا نملك غيرهم. ولأمهاتنا المتشابهات في كلّ شيء. وللحزن الذي يخيّمُ علينا جميعاً، كأنّهُ سلامنا المُمْكِنِ الوحيد.

عماد عبد اللطيف

كاتب عراقي