داعش.. وأمن دول الخليج

القاعدة وداعش آيديولوجية واحدة

ينحدر التنظيمان، «القاعدة» و«داعش»، من أيديولوجيا واحدة، ولكن هناك اختلاف في طبيعة العمل والنشاط. استهدف تنظيم القاعدة بدرجة أساسية المسؤولين الأمنيين والغربيين في السعودية، ولكن داعش تبنى النهج الدموي لأبي مصعب الزرقاوي، زعيم القاعدة الأسبق في العراق، وهو نهج قائم على استهداف مجتمع الشيعة إلى جانب المسؤولين الأمنيين.

إن هذا النهج مثيرٌ للقلق لأنه يؤجج النعرة الطائفية، ليس في السعودية فحسب، بل في جميع دول الخليج. لقد تعّهد التنظيم بأنّ المجتمع الشيعي في الخليج تنتظره «أيام سوداء». أما الهدف الآخر وراء استهداف الشيعة في الخليج فهو لإثارتهم ضد حكوماتهم التي عجزت عن تأمين الحماية لهم ولدور عبادتهم.

يواجه داعش ضغوطات متزايدة على الجبهات القتالية المباشرة، وتتزايد خسارته للأراضي، لذا سيسعى إلى زيادة هجماته في الداخل السعودي وباقي دول مجلس التعاون. لقد كان للسعودية -حتى الآن- النصيب الأكبر من الهجمات، حيث وقعت ثلاث عمليات انتحارية أدّت إلى جرح المئات ومقتل العشرات، واستهدف تنظيم داعش المسؤولين الأمنيين وتمكّن من قتل العديد منهم، كما سعى إلى اختراق الحدود السعودية عبر العراق، وحاول تنفيذ خطط كثيرة تمكّنت السلطات من إجهاضها، ولكن السعودية فقدت ستين مسؤولاً أمنياً وخمسة وأربعين مواطناً شيعياً.

يشكّل تنظيم داعش خطراً مماثلاً على أمن بقية بلدان الخليج، خصوصاً وهو ينتحل صفات عابرة للأوطان، وعلى سبيل المثال، أعلن داعش مسؤوليته عن التفجير الانتحاري الذي استهدف مسجداً في الكويت وقتل 27 شخصاً وجرح أكثر من 200، فقد قام مواطن سعودي بالسفر من البحرين إلى الكويت لتنفيذ العملية، كما يُعتقد بأن الأسلحة أتت من البحرين بدعم من مواطنين من الخليج وآخرين بلا وثائق من فئة (البدون) وباكستانيين، وفقاً للسلطات الكويتية.

التصدّي للإرهاب

تضافرت مساعي دول مجلس التعاون الخليجي في العقد الماضي بشكل جماعي أو فردي لمواجهة تهديدات التطرّف والإرهاب، بما في ذلك الإرهاب المدعوم من الدول الأخرى، وقامت دول الخليج بالتنسيق لإنشاء قيادة عسكرية مشتركة تتخذ من السعودية مقرّاً لها، وتسعى لمواجهة التهديدات المستمرة من المتطرّفين الإرهابيين وإيران، كما سعت دول الخليج إلى إشراك المؤسسة الدينية لنشر التوعية حول التعاليم الصحيحة للإسلام، بالإضافة إلى التوعية الإجتماعي والإعلامي.

عندما يتعلق الأمر بالتهديدات التي تؤثر في دول مجلس التعاون جميعاً، فإن لدول الخليج سجلاً طيباً في الاستجابة والتنسيق ضد أي تهديد، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2014 أعلن مجلس التعاون الخليجي عن تشكيل قوة شرطة إقليمية تتخذ من الإمارات مقرّاً لها لتكون شبيهة بالإنتربول، ووفقاً لمؤشر (Global Peace) فإن دولة الإمارات العربية المتحدة أنفقت عام 2013 ما يقارب 11.7 مليار دولار في «الوقاية من العنف»، والذي يعادل إنفاق 1270 دولار للشخص الواحد.

تتطلب التهديدات المشتركة رداً مشتركاً، فالجماعات المتطرّفة مثل القاعدة وداعش تستغل الثغرات القانونية المختلفة في دول الخليج، وفعلت ذلك فيما مضى جراء التعريفات الغامضة للإرهاب. لقد استغلت هذه الجماعات وجود هذه الثغرات، ممّا يحتّم على دول الخليج وضع حد أدنى من معايير الخطاب. كما أنّ الجماعات المتطرّفة والمتعاطفين معها في الخليج لطالما استغلوا انعدام القوانين المشتركة الصلبة التي تمنع التحويلات المالية من وإلى هذه الجماعات، وقد اتخذت دول الخليج أخيراً خطوات عدة لمعالجة مثل هذه الثغرات.

وفقاً لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الإرهاب لعام 2014، فإنّ «فشل القاعدة في شبه الجزيرة العربية في السعودية، يعود إلى جهود الحكومة السعودية المحلية والثنائية لمكافحة الإرهاب والأيديولوجية المتطرفة العنيفة». وقد وسعت السعودية من مستويات التعاون والتنسيق مع الشركاء الدوليين لمواجهة التهديد الإرهابي، كما شجّعت وحدات الشرطة في الأحياء السكنية، والعمل بشكل مباشر مع المجتمع وتشجيعه على تقديم المعلومات حول أيةِ نشاطات إرهابية مشتبه بها.

أمّا في مكافحة تمويل الإرهاب، فقد أقرت السعودية قوانين جديدة صعّبت من تحويل الأموال، التي يمكن أن ينتهي بها المطاف لتكون بين أيدي مثل هذه الجماعات، كما زوّدت مراقبتها للأنظمة المالية والمصرفية، ولكن على الرغم من ذلك تجد المنظمات الخيرية الأجنبية التي لها علاقة بالجماعات الإرهابية طرقاً جديدة لجمع الأموال خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما كان لبرنامج إعادة التأهيل للجهاديين سجل ناجح، بحسب المصادر السعودية، ويقدّر المسؤولون الأمريكيون هذه المؤسسات كثيراً، كما هو واضح من نقل ثمانية يمنيين من سجن غوانتانامو إلى السعودية. كما يعمل مجلس مؤلف من بلدان الخليج والولايات المتحدة على توحيد الإجراءات والأدوات القانونية لمحاربة الجماعات الإرهابية، مع تحديد الأولوية لداعش وحزب الله.

القوة الاقتصادية مؤثرة في مواجهة الإرهاب

التحالف العسكري الإسلامي واللغز الجيوسياسي

تبدو دول الخليج في موقف صعب، مع الحروب الأهلية المستعرة في المنطقة، والفساد المتفشي والدول المنهارة، بالإضافة إلى الجهات العديدة المؤثرة (داخلية وخارجية)، هناك نقطة مهمة يجب أن تضعها بلدان الخليج في الحسبان: هي أنّه على الرغم من المساعي كافة للقضاء على الإرهاب وتدخلات الدول الخارجية، سيبقى التهديد قائماً، بسبب الاضطرابات التي تعم المنطقة كما أنّ دول الخليج تواجه تهديدات إقليمية الأكثر خطورة منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي، في الوقت الذي تنسحب القيادة الأمريكية من المنطقة، الشريك القديم للخليج، عن العراق أو سوريا.

إنّ غياب الاستراتيجية الغربية، أو ضبابيتها، بقيادة الولايات المتحدة، ترك فجوات كبيرة استغلتها جماعات متمردة، كما وجدت دولٌ مثل إيران وروسيا فرصة لتوسيع نفوذها، وهذه العوامل مجتمعةً دفعت دول مجلس التعاون لاتخاذ دور أكثر جدية- وإن لم يترجم هذا الدور على أرض الواقع بعد- وهنا يأتي دور التحالف الإسلامي.

سياسات التحالف الإسلامي وتأثيره

إن داعش ليس بمشكلة عابرة للخليج بل تجسّد الكثير من التهديدات والعلل التي تواجهها المنطقة. إن تنظيمات مثل داعش ليست هي بحد ذاتها جذور المشكلة، ولكنها تُعتبر الأعراض التي تنامت وتحولت إلى وحوش فتّاكة تسببت في سيل من الدماء في المنطقة، خصوصاً في العراق وسوريا، وتحتاج دول الخليج إلى نهج شامل للتعامل مع هذه التهديدات والتأثيرات السلبية التي خلفتها، والتي يحمّل البعض –خطأً- المعتقدات الإسلامية مسؤوليتها كاملةً.

منذ زمن بعيد والقناعة العامة والتصوّرات في أجزاء عديدة من المنطقة والغرب تقول بأن دول الخليج تعتمد على دعم أمريكي في استراتيجيتها الدفاعية، واتّهمت جماعات مثل داعش الخليج بالعمالة للغرب والإنحراف عن الرسالة الحقيقية للإسلام، وبالعجز عن حماية نفسه من إيران.

إطاحة الحكومات الخليجية، وخصوصاً الأسرة الحاكمة السعودية، أولويةً لتنظيم داعش الإرهابي تفوق أهمية الانتصار على الغرب «الصليبي» هو أمرٌ فيه دلالات كثيرة، فالسعودية وبقية دول الخليج هي الجائزة الكبيرة للتنظيم الإرهابي (وكانت كذلك بالنسبة للقاعدة أيضاً)، وخصوصاً أن المملكة هي خادمة الحرمين الشريفين في مكّة والمدينة.

بالنسبة لتنظيم مثل داعش، فإنّ هذا التحالف يعتبر تطوّراً مهماً ومهدداً لأسباب عديدة، السبب الأول هو الفشل في الحصول على النتائج المرغوبة من الهجمات الإرهابية على الخليج، فبدلاً عن الصراع الطائفي الذي كان داعش يأمل في خلقهِ من العمليات الإرهابية، جاءت النتائج عكسية بالنسبة إليه تماماً، بفضل إسراع قادة دول الخليج في اتخاذ مواقف رمزية مؤثرة لمواجهة الهجمات، وإصرار ومقاومة الشعوب التي تعيش في منطقة تعمها الفوضى منذ عقود، كما أن ردود الأفعال على هذه الهجمات، خصوصاً تلك التي طاولت المواطنين الشيعة من أبناء الخليج، أتتْ من إدراك الناس بوجود عدو مشترك بينها وبين حكومات الخليج، وهو داعش.

إنّ دول الخليج هي الآن تهديد مباشر لداعش، ليس عسكرياً فحسب، بل أيديولوجياً أيضاً، فقد فشلت أساليب هذا التنظيم ولم تحقق الدعم الذي كانت تأمله داخل السعودية والخليج، ودفعتْ استراتيجية الخليج الجديدة بقيادة السعودية داعش إلى تغيير نهجه، حيث كان فيما مضى يأمرُ اتباعه والمؤمنين به في الخليج يأمرهم بالهجرة إلى «أرض الخلافة»، ولكنه اليوم يأمرهم بأنْ يبقوا في بلدانهم لتنفيذ الهجمات فيها.

إنّ الإرهاب «التكفيري» قد لا ينتهي أبداً بشكل كامل، ولكن دول الخليج قادرة على ضمان تهميش أتباع هذا الفكر، عن طريق الإصلاح وحماية النفوذ، واتخاذ دور الريادة بصفتها القوة الاقتصادية والسياسية الأولى في العالم العربي.